والقائم عليه، والمريدَ لهدايته، لم يلبث أن يعلم، وهذا صحيحٌ في الأوهام، غيرُ مدفوعٍ في العقول، وقد جَعَل اللَّهُ الخَالَ أباً، وقالوا: الناس بأزمانهم أشبهُ منهم بآبائهم، وقد رأينا اختلاف صُوَر الحيوان، على قدر اختلاف طبائع الأمكان، وعلى قَدْر ذلك شاهدنا اللُّغاتِ والأخلاقَ والشهوات، ولذلك قالوا: فلانٌ ابنُ بَجْدَتها، وفلانٌ بيضَةُ البَلد، يقَعُ ذَمّاً ويقع حمداً، وقال زِياد: واللَّهِ لَلْكوفةُ أشبَهُ بالبصرة من بكر بن وائلٍ بتَميمٍ، ويقولون: ما أشبَهَ الليلةَ بالبارحة، كأنهم قالوا: ما أشبه زمانَ يوسِفَ بنِ عمرَ بزمان الحجّاج، وقال سُهَيل بن عَمرو: أشبَهَ أمرأً بعضُ بَزِّه، وقال الأضبطُ بن قُريع: بكلِّ وادٍ بنو سَعد، ولولا أنَّ اللَّه عزَّ وجل أفرَدَ إسماعيلَ من العجم، وأخرجَه بجميع معانيه إلى العرب، لكان بنو إسحاقَ أولى به، وإنَّما ذلك كرجلٍ قد أحاط علمُه بأنّ هذا الطُّفل من نَجلِ هذا الرَّجُل، ولكن لَمَّا كان من سِفاحٍ لم يُجِزْ أنْ يضيفَه إليه ويدعوَه أباه، وقد جعَلَ اللَّهُ نَسبَ ابن الملاعَنَة نسبَ أمِّه، وإنْ كان وُلِد على فراش أبيه، وقد أرسل اللَّه موسى وهارون، إلى فرعون وقومِه وإلى جميع القِبْط، وهما أمَّتان: كَنعانيُّ وقِبطّي، وقد جَعَل اللَّهُ قومَ كلِّ نَبيٍّ هم المبلغين والحجّةَ، ألا تَرَى أنّا نزعمُ أنَّ عَجْزَ العرب عن مِثل نَظْم القرآن حجّةٌ على العجم من جهة إعلام العربِ العجمَ أنَّهم كانوا عن ذلك عَجَزَة، وقد قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: خُصِصْت بأمور: منها أنِّي بُعِثت إلى الأحمر والأسود، وأُحِلَّت لي الغنائم، وجُعلت لي الأرضُ طَهُوراً، فدلَّ بذلك على أنَّ غيرَه من الرّسُل إنّما كان يُرسَل إلى الخاصّ، وليس يجوز لمن عَرَف صِدقَ ذلك الرسولِ من الأمَم أن يكذِّبه ويُنكِر دعواه، والذي عليه ترْكُ الإنكارِ والعملِ بشريعة النبيِّ الأوّل، هذا فرق ما بينَ مَن بُعِث إلى البعض، ومن بُعث إلى الجميع. انتهى انتهى {البيان والتبيين، للجاحظ} ...