وعلى غير التَّدريب والتَّدريج، وكيف صار عربيّاً أعجميَّ الأبوين، وأوّل مَن عليه أن يُقِرّ بهذا القَحطانيُّ، فإنه لا بدَّ من أن يكون له أبٌ كان أوَّلَ عربيٍّ من جميع بني آدم صلى الله عليه وسلم، ولو لم يكن ذلك كذلك وكان لا يكون عربيّاً حتى يكون أبوه عربياً وكذلك أبوه وكذلك جدُّه، وكان ذلك موجباً لأن يكون نوحٌ صلى الله عليه وسلم عربيّاً، وكذلك آدمُ صلى الله عليه وسلم، قال أبو عبيدة: حدثنا مِسمَع بن عبد الملك عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين عن آبائه قال: أول من فُتِق لسانُه بالعربية المُبِينة إسماعيل، وهو ابنُ أربعَ عشْرةَ سنة، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: شهدتُ الفِجار وأنا ابنُ أربعَ عشرةَ سنة، وكنت أنْبُلُ على عُمومَتي، يريد: أجمع لهم النَّبْل، قال أبو عبيدة: فقال له يونس: صدقت يا أبا يسار هكذا حدّثني نصر بن طريف، وروى قيس بن الربيع، عن بعض أشياخه عن ابن عبَّاس: أنّ اللَّه ألْهَمَ إسماعيل العربيَّةَ إلهاماً، قال اللَّه تبارك وتعالى: {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ} [سورة إبراهيم: 4] ، قال: قد يُرسل اللَّهُ الرّسولَ إلى قومه، ولو أُرسِل في ذلك الوقتِ إلى قومٍ آخرين لَمَا كان الثاني ناقضاً للأوّل، فإذا كان الأمرُ كذلك كان قومُه أوّلَ مَن يَفهم عنه، ثم يصيرون حُجّةً على غيرهم، وإذا كان اللَّه عزّ وجلّ قد بعثَ محمداً صلى الله عليه وسلم إلى العَجَم فضلاً عن العَرَب، فقَحطانُ وإنْ لم يكونوا من قومِه أحقُّ بلزوم الفَرض من سائر العَجَم، وهذا الجواب جوابُ عوامِّ النِّزاريَّة، فأمّا الخواصُّ الخُلَّص فإنهم قالوا: العرب كلُّهم شيء ٌ واحد؛ لأنّ الدارَ والجزيرةَ واحدة، والأخلاق والشِّيَم واحدة، واللغة واحدة، وبينهم من التصاهُر والتشابُك، والاتِّفاق في الأخلاق وفي الأعراق، ومن جهة الخُؤولة المردّدة والعمومة المشتبِكة، ثم المناسَبة التي بُنيت على غريزة التُّربة وطِباع الهواء والماءِ، فهمْ في ذلك بذلك شيء ٌ واحد في الطَّبيعة واللغة، والهِمَّة والشمائل، والمَرْعَى والرَّاية، والصِّناعة والشّهوة، فإذا بَعثَ اللّه عزّ وجلّ نبيّاً من العرب فقد بعثه إلى جميع العرب، وكلُّهم قومُه؛ لأنَّهم جميعاً يَدٌ على العجم، وعلى كل من حاربهم من الأمم؛ لأنَّ تناكُحَهم لا يعدوهم، وتصاهُرَهم مقصورٌ عليهم.