وقيل: كان ذكر الرحمن قليلًا في القرآن في الابتداء، فلما أسلم عبد الله بن سلام ومن معه من أهل الكتاب من اليهود والنصارى ساءهم قلة ذكر الرحمن في القرآن مع كثرة ذكره في التوراة، فلما كرر الله تعالى ذكر لفظة الرحمن في القرآن .. فرحوا بذلك، فأنزل الله تعالى: {وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزَابِ} يعني: مشركي مكة {مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ} وذلك لما كتب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كتاب الصلح يوم الحديبية كتب فيه: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فقالوا: ما نعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة، يعنون مسيلمة الكذاب، فأنزل الله: {وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي} وإنما قال: {وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ} ؛ لأنهم كانوا لا ينكرون الله وينكرون الرحمن.
ولما ذكر سبحانه اختلاف أهل الكتاب في شأنه - صلى الله عليه وسلم - .. بين بإيجاز ما يحتاج إليه المرء ليفوز بالسعادتين، فقال: {قُل} يا محمَّد في جواب المنكرين {إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ} ؛ أي: إنما أمرت فيما أنزل إلي بأن أعبد الله وأوحده ولا أشرك به شيئًا، وهو العمدة في الدين، لا سبيل لكم إلى إنكاره،
وأما ما تنكرونه لما يخالف شرائعكم، فليس ببدع مخالفة الشرائع والكتب الإلهية في جزئيات الأحكام؛ لأن الله الحكيم ينزل بحسب ما يقتضيه صلاح أهل العالم، كالطبيب يعامل المريض بما يناسب مزاجه من التدبير والعلاج.