وإنما سلكنا هذا الوجه بناءً على أن هذه السورة مكية كان نزولها قبل أن يُسلم عبد الله بن سلام وسَلْمان الفارسي وبعض نصارى نجران وبعض نصارى اليمن ، فإن كانت السورة مدنية أو كان هذا من المدني فلا إشْكال.
فالمراد بالذين آتياناهم الكتاب الذين أوتوه إيتاء كاملاً ، وهو المجرد عن العصبية لما كانوا عليه وعن الحسد ، فهو كقوله تعالى: {الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به} [سورة البقرة: 121] .
فالأظهر أن المراد بالأحزاب أحزابُ الذين أوتوا الكتاب ، كما جاء في قوله تعالى: {فاختلف الأحزاب من بينهم} في سورة مريم (37) ، أي ومن أحزابهم من ينكر بعض القرآن ، فاللام عوض عن المضاف إليه.
ولعل هؤلاء هم خبثاؤهم ودُهاتهم الذين توسموا أن القرآن يبطل شرائعهم فأنكروا بعضه ، وهو ما فيه من الإيماء إلى ذلك من إبطال أصول عقائدهم مثل عُبودية عيسى عليه السلام بالنسبة للنصارى ، ونبوءته بالنسبة لليهود.
وفي التعبير عنهم بالأحزاب إيماء إلى أن هؤلاء هم المتحزبون المتصلبون لقومهم ولما كانوا عليه.
وهكذا كانت حالة اضطراب أهل الكتاب عندما دمغتهم بعثة النبي وأخذ أمر الإسلام يفشو.
أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يعلن للفريقين بأنه ما أمر إلا بتوحيد الله كما في الآية الأخرى: {قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم} [سورة آل عمران: 64] ، فمن فرح بالقرآن فليزدد فرحاً ومن أنكر بعضه فليأخذ بما لا ينكره وهو عدم الإشراك.
وقد كان النصارى يتبرؤون من الشرك ويعُدّون اعتقاد بُنوة عيسى عليه السلام غير شرك.
وهذه الآية من مجاراة الخصم واستنزال طائر نفسه كيلا ينفر من النظر.
وبهذا التفسير يظهر موقع جملة قل إنما أمرت أن أعبد الله بعد جملة {والذين آتيناهم الكتاب يفرحون} وأنها جواب للفريقين.