واعلم: أن الله تعالى أسند الإنفاق إليهم، وإعطاء الرزق إلى ذاته تعالى، تنبيهًا على أنهم أمناء الله فيما أعطاهم ووكلاؤه، والوكيل دخيل في التصرف لا أصيل، فينبغي له أن يلاحظ جانب الموكل لا جانب نفسه ولا جانب الخلق، وقد قالوا: من طمع في شكر أو ثناء فهو بياع لا جواد؛ لأنه اشترى المدح بماله، والمدح لذيذ مقصود في نفسه، والجود. هو بذل الشيء من غير غرض. {وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ} أي: يدفعون سيئة من أساء إليهم بالإحسان إليه، كما في قوله تعالى: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} ، أو يدفعون بالعمل الصالح العمل السيء، أو يدفعون الشر بالخير، أو المنكر بالمعروف، أو الظلم بالعفو، أو الذنب بالتوبة، ولا مانع من حمل الآية على جميع هذه الأمور.
قال عبد الله بن المبارك: هذه ثمان خلال مشيرة إلى أبواب الجنة الثمانية.
قلت: إنما هي تسع خلال، فيحتمل أنه عد خلتين بواحدة. ولما ذكر الله سبحانه وتعالى هذه الخلال من أعمال البر .. ذكر بعدها ما أعد للعاملين بها من الثواب، فقال تعالى: {أُولَئِكَ} الذين وصفناهم بتلك المحاسن والكمالات التي بلغت الغاية في الشرف والكمال هم الذين {لَهُمْ} {عُقْبَى الدَّارِ} ؛ أي: العقبى الحسنة والمرجع الحسن والمسكن الطيب في الدار الآخرة، وسميت الدار الآخرة عقبى؛ لأنها عاقبة الدنيا ومرجع أهلها. والعقبى: مصدر كالعاقبة، والمراد بالدار الدنيا وعقباها الجنة، وقيل: المراد بالدار: الدار الآخرة وعقباها الجنة للمطيعين، والنار للعاصين.
23 -ثم بين هذه العقبى، فقال: {جَنَّاتُ عَدْنٍ} بدل من {عُقْبَى الدَّارِ} ؛ أي: لهم جنات عدن، أو خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: تلك العقبى هي جنات عدن وإقامة مؤبدة، والعدن: أصله الإقامة، ثم صار علمًا لجنة من الجنان، ولكن المراد به هنا المعنى العام، وجملة قوله: {يَدْخُلُونَهَا} صفة لـ {جَنَّاتُ عَدْنٍ} ؛ أي: تلك العقبى جنات عدن يدخلونها؛ أي: يدخل هؤلاء الموصوفون بالصفات السابقة تلك الجنات، ويخلدون فيها لا يخرجون منها بعد الدخول أبدًا.