والاختيار - الذي منحنا الله إياه - يوجه الطاقة إلى الطاعة أو المعصية ، وإذا فقد الإنسان القدرة على الاختيار سقطت عنه المؤاخذة ؛ لأن التكاليف الشرعية ، والحساب عليها لا يكونان إلا حيث تتوفر الإرادة الحرة (فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ(173) .
وعمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أسقط الحدَّ عن امرأة زنتْ ، ثم أثبتت أن الراعي منعها الماء ، وكاد يهلكها الظمأ ، ولم يسقها حتى مكنته من نفسها.
فسقوط الاختيار يسقط العقوبة ، وحتى لا يخلط الشباب المسلم بين حرية الإنسان في أن يفعل أو لا يفعل ، وبين ما قدَّره الله على العباد مما سبق به علمه - عز وجل - ولا يمكن دفعه ، فسوف أُقسِّم (القضاء والقدر) إلى أقسام ثلاثة.
أولاً: قضاء يستوجب الصبر أو الشكر
ثانياً: قضاء يستوجب المعالجة.
ثالثاً: قضاء أنت فيه حرٌّ ، وفي حدود الحرية محاسب.
وهذا التقسيم الثلاثي يوضح منهج القرآن ويجلِّيه ، وقد سبقني إلى هذا التقسيم الثلاثي أبو الوفا درويش - رحمه الله - وإن اختلفت طريقة العرض والمعالجة.
النوع الأول: قضاء يستوجب الصبر
وهو كل ما يحدث للإنسان بدون تدخل من إرادته.
الإيمان به عزاء ، والصبر عليه واجب ، وأجر الصبر والاحتساب أعظم من فقد الدنيا كلها (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ(10) .
من ذلك ذكاء المرء وغباؤه ، وطول العمر وقصره ، ووسامة الوجه وقبحه ، وسعة الرزق وضيقه .
إن الدنيا النُّخال على الدقيق، وتقطف شبابا يؤمل بقاؤهم ، وترد إلى أرزل العمر من نتمنى موته رحمة به أو رحمة للآخرين ، وتغيب الحكمة عنا ، ولا نملك إلا الصبر والتسليم.
(هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(6) .
(وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ(212) .