كل لحظة في الكون ، وكل حركة فيه ، تؤكد عدل الله المطلق ، بل تتجاوز عدل الله إلى مقام الإحسان ، وقد قرر القرآن هذه القضية ، فيما لا حصر له من آياته (تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ(108) .
(وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا(45) .
وتأخيرهم إلى أجل مسمى يعطيهم فرصة العودة
والإصلاح .
فمن أصرَّ فمحكمة الآخرة هي محكمة (العدل المطلق)
(وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ(47) .
وعدل الله وإحسانه ، يؤكدان أن دائرة التكاليف في الأديان السماوية ، وما يتبعها من ثواب وعقاب ، مبنية على قاعدة (العدل المطلق) فالله - عز وجل - قد نزه نفسه عن العبث بأعصاب الناس ، واللهو بهم ، قال تعالى (لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ(17) .
فكيف يتصور عاقل أن الله تعالى ألقى عباده - مكتوفين - في بحر القدر ، ثم قال لهم: من ابتلَّ منكم فسيدخل النار ؟
إن الله أعطى الناس القدرة التي تعينهم على فعل الطاعات.
إن الذين أحسنوا توجيهها ، وهي نفسها القدرة التي يُحْدثون
بها المعصية ، عندما ينحرفوا بنعم الله.
إن كل وسيلة لطاعته - عز وجل - يمكن أن تكون وسيلة عصيان ، والعبد يملك قانون البديلات.
فالنتاج العقلي ، وما ملكت أيدينا من خيرات ، وطاقاتنا الجنسية والعضوية ، يمكن أن ترفعنا إلى السماء ، وأن تهوي بنا إلى الضياع.