إذن: فليس هناك تضييق إلا في الحدود التي يشاؤها الله ، مثل أن يزرع الإنسان الأرضَ ، ويتعب في الريِّ والحَرْث ؛ ثم تأتي صاعقة أو برد مصحوب بصقيع فيأكل الزرع ويُميته .
وفي هذا لَفْتٌ للإنسان ؛ بأنه سبحانه قد أخذ هذا الإنسان من رزقه ؛ وهو العطاء منه ؛ كي لا يُفْتَنَ الإنسان بالأسباب ، وقد يأتي رزقه من بعد ذلك من منطقة أخرى ، وبسبب آخر . {الله يَبْسُطُ الرزق لِمَنْ يَشَآءُ وَيَقَدِرُ وَفَرِحُواْ بالحياة الدنيا ...} [الرعد: 26]
والفرح في حَدِّ ذاته ليس ممنوعاً ولا مُحرّماً ، ولكن الممنوع هو فرح البطر كفرح قارون: {إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ موسى فبغى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الكنوز مَآ إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بالعصبة أُوْلِي القوة إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لاَ تَفْرَحْ ...} [القصص: 76]
والحق سبحانه قد قال: {... إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ الفرحين} [القصص: 76]
وهذا هو فرح البطر الذي لا يحبه الله ؛ لأنه سبحانه قال في موقع آخر: {قُلْ بِفَضْلِ الله وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} [يونس: 58]
وهنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يأتي بفرحهم ؛ وبسبب هذا الفرح وهو الحياة الدنيا ؛ أي: أنه سبب تافه للفرح ، لأنها قد تُؤخذ منهم وقد يُؤخَذون منها ، ولكن الفرح بالآخرة مختلف ، وهو الفرح الحق .
ولذلك يقول فيه الحق سبحانه: {... فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} [يونس: 58]
ويقيس الحق سبحانه أمامنا فرح الحياة الدنيا بالآخرة ، فيقول: {... وَمَا الحياة الدنيا فِي الآخرة إِلاَّ مَتَاعٌ} [الرعد: 26]
ومتاع الرجل هو ما يعده إعداداً يُنفِقه في سفر قصير ، كالحقيقة الصغيرة التي تضع فيها بعضاً من الملابس والأدوات التي تخصُّك لسفر قصير .