وقد يكونون أصحاب عُذْر في ذلك ؛ لأنهم لم يَرَوا تلك المعجزات الحِسِّية ؛ بحكم أنهم كافرون ؛ واقتصرت رُؤْياهم على مَنْ آمنوا برسالته صلى الله عليه وسلم .
وهكذا نعلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يُحرم من المعجزات الكونية ؛ تلك التي تحدث مرة واحدة وتنتهي ؛ وهي حُجَّة على مَنْ يراها ؛ وقد جاءتْ لتثبت إيمان القِلَّة المضطهدة ؛ فحين يروْنَ الماء مُتفجِراً بين أصابعه ، وَهُمْ مَزلْزلون بالاضطهاد ؛ هنا يزداد تمسُّكهم بالرسول صلى الله عليه وسلم .
ولكن الكافرين لم يَرَوْا تلك المعجزات . وكان عليهم الاكتفاء بالمعجزة التي قال عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم:"القرآن كافيني".
والقرآن معجزة من جنس ما نبغتُم فيه أيها العرب ، ومحمّد رسول من أنفسكم ، لم يَأْتِ من قبيلة غير قبيلتكم ، ولسانه من لسانكم ، وتعلمون أنه لم يجلس إلى معلم ؛ ولا عِلُمِ عنه أنه خطب فيكم من قبل ، ولم يَقْرِض الشعر ، ولم يُعرف عنه أنه خطيب من خطباء العرب .
ولذلك جاء الحق سبحانه بالقول على لسانه: {قُل لَّوْ شَآءَ الله مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} [يونس: 16]
أي: أنني عِشْتُ بينكم ولم أتكلَّم بالبلاغة ؛ ولم أنافس في أسواق الشِّعْرِ ؛ وكان يجب أن تؤمنوا أنه قول من لَدُنْ حكيم عليم .
ولكن منهم مَنْ قال:"لقد كان يكتم موهبته وقام بتأجيلها".
وهؤلاء نقول لهم: هل يمكن أن يعيش طفل يتيم الأب وهو في بطن أمه ؛ ثم يتيم الأم وهو صغير ، ويموت جَدّه وهو أيضاً صغير ، ورأى تساقط الكبار من حوله بلا نظام في التساقط ؛ فقد ماتوا دون مرض أو سبب ظاهر ؛ أكان مثل هذا الإنسان يأمنُ على نفسه أن يعيش إلى عمر الأربعين ليعلن عن موهبته؟
ثم من قال: إن العبقرية تنتظر إلى الأربعين لتظهر؟ وكلنا يعلم أن العبقريات تظهر في أواخر العقد الثاني وأوائل العقد الثالث .