وقلنا: إن قوله تعالى: (لَقَدْ كَانَ في قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الأَلْبَابِ) الضمير يعود إلى الأنبياء، وخصصنا نحن قصة يوسف ببعض ما يلوح منها من عبر، والعبرة والاعتبار الحال التي يعرف فيها، ما يجب عمله في الحاضر بالأخذ مما كان في الماضي بأن يتفكر ويتدبر ما كان في الماضي من وقائع، ويعلم أنه نور يضيء للحاضر، فالإنسان ابن الإنسان يتشابه في آثامه، ويتشابه في عواقبها ونهايتها، فذكر هذه الآرام لجماعة أو قبيل، وبيان العواقب بيان للعواقب في كل جيل لمن يقع فيها من أهل هذا الجيل الذي خلف الأول، ولذا كان في قصص الرسل إنذار للمشركين وتسلية للنبي والمؤمنين بأن نصر اللَّه آت، وكل آت قريب مهما يتأخر الزمان.
ويقيد سبحانه وتعالى المعتبرين بأن يكونوا من ذوي الألباب أي العقول التي تذهب في إدراكها إلى لب الأمور وحقائقها، ويتدبرون مباديها، ونهاياتها، ويبين اللَّه سبحانه أنه لم يكن حديثا يفترى ويخترع كأساطير الأولين (مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى) كمما قال الأفاكون أنها (. . . أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا) ، والتنكير في - حديثا - لعموم النفي أي ما كان (حَدِيثًا) أي حديث يفترى ويخترع اختراعا لمجرد التسلية وتزجيه الفراغ،
والتسلي المجرد، بالأحاديث، بل كان أخبارًا جاءت بها الكتب السماوية من قبل، ولذا قال تعالى: (وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ) أي أنه كلام فيه تصديق لما بينِ يديه من الكتب السماوية التي نزلت من قبله كالتوراة الصادقة، وقوله: (تَصْدِيق الذِي بَيْنَ يَدَيْهِ) فيه إثبات صدقه فيما أخبر، وصدقها فيما أخبرت به؛ لأن الصدر فيها واحد، ويعبر بكلمة (بَيْنَ يَدَيْهِ) في القرآن بما سبقه، وكأنه بعلمه حاضر بين يديه.