لاقتصادها، وإحكام، وإخلاص، وعدل، وبيان لما يجب من الادخار من سني الرخاء لسني الشدة، كما قال تعالى: (. . . فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُله إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا تَأْكلُونَ) .
وفى سورة يوسف صورة للحاكم العادل، تراها في أوصاف يوسف عليه السلام.
وأولى هذه الصفات البارزة قوة الإرادة، ومظهرها الصبر عندما تعتلج النفس بأسباب الشهوات.
وثانيها: الأناة، وأن يضبط نفسه عند الغضب، ولا ينساق وراءه، فالحاكم الذي يسير وراء الغضب يشط، ويظلم، وقد رماه إخوته بالسرقة كاذبين عليه، مغرضين عليه.
وثالثها: العناية بذوي الحاجات، ولو كانوا مؤذين له، أو سبق لهم منه الأذى كما عامل إخوته.
ورابعها: الثقة بالنفس، وطلب الأمر إن كان يصلحه، كما قال يوسف (اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ) فلم يفرّ من تحمل التبعة عن بينة وجدارة واستحقاق، مع ذاكرة قوية مدركة، يعلم ما مضى وما حضر.
وخامسها: الإخلاص لِلَّهِ تعالى، وعبادته وحده، فلا يشرك، فتديّن الحاكم يجعله خاضعا للَّه.
وسادسها؛ أن يكون رفيقا في معاملة الناس شفيقا بهم، فهو كالوالي على اليتيم، يعطيهم من رفقه ورفده ما يدنيهم إليه، وهكذا كان يوسف حتى وهو في سجنه، فقد كان يناديهم، وهو في سجنه مع المسجونين بأنهم أحبابه وأصحابه، وإن من الشفقة والرفق العفو عندما توجد أسباب يداوى به الحسد والعداوة، فلا يجتث شيء الحسد والأحقاد كالعفو والمحبة وإدناء البعيد، وتقريب العشير، وكل ذلك كان في يوسف.
وسابعها: التأني للأمور، وقد رأينا كيف أخذ الثقة في لين، ومن غير إعنات من العزيز، ظهر ذلك فيمن هو أعلى منصبا منه، وظهر في صغائر الأمور، كما رأيت في استبقائه أخاه من غير اقتتال، بل بوضعه السقاية في رحل أخيه من غير اتهام لشخصه، ثم أخذ الحكم من ألسنتهم، ونفذه بقولهم.
ثم من بعد ذلك أخذ الأمور بالتأني، حتى التقى بأبيه على مائدة الرحمة والمودة والإيثار، وقد قتل الحقد بالعفو، والغيرة بالمحبة، والضلال بالهداية.
وفي السورة عبر كثيرة، وقد ذكرنا بعضا منها في أول السورة في معاني قوله تعالى: (لقد كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوتِه آياتٌ للسَّائِلِين) .