أو يعلمونه بقلوبهم أو يمرون عليه بذواتهم يسبح الله جل وعز بحمده، وهم عن
ذلك كله معرضون لا يقعون على آية ولا يفقهون إشارة ولا يعلمون حقيقة.
ثم قال عز من قائل: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا...) قد
تقدم هذا فيما مضى، وإنه إعلام بأن سنته جل وعز أنه يرسل إلى البشر من البشر،
فمن اهتدى فلنفسه هداه، ومن أبَى وعَتَا فسيروا في الأرض، فانظروا كيف كان
عاقبة المكذبين.
ثم قال وقوله الحق: (وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ(109)
لم يتقدم فيما مضى ذكر هذا إلا في قوله عند ذكر ما مكنه في
الأرض، ثم نبه على تفضيل الآخرة وما بعد ذلك وما قبله فقصص، إلا
أن يكون قد وجه هذا الظاهر إلى ما بطن في معنى الخطاب، والقصص كله من ذكر
الاغتراب والغيبة، وما في ذلك من بلوى ومحنة وذكر وفتنة، ثُمَّ ذكر اللقاء وما
نص فيه من الإيواء والإكرام للمحسنين الطاهرين من الذنوب، ومن السلام مع
الإعراض عن الجناية، والإكرام عن المؤمنين المغفور لهم.
يقول جلَّ قوله: (وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ) بكل وجه وبكل معنى، وعلى
الخصوص هَاهُنَا فالإخبار عن اللقاء بعد الغيبة والغربة تقدير المعنى: وللقاء
الآخرة (لِلَّذِينَ اتَّقَوْا) كذلك بين لقاء ولقاء كما بين الخالق والمخلوق
فافهم، لذلك قال جلَّ قوله وهو أعلم: (أَفَلَا تَعْقِلُونَ) وقال جل
قوله في غير هذا الموضع وذكر موجودات الدنيا، فقال:(وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ
فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا...).
ومن زينة الدنيا: التقديم على الأقران، والجاه على الملوك، والمضاء في
الأمر، فما عند الله من ذلك خير وأبقى، وما عند الله من موجودات الآخرة خير
وأبقى، أفلا يعقلون؟.
أما قوله جلَّ قوله: (أَفَلَا تَعْقِلُونَ) إثر هذا الإعلام فتقريع للعقول، كيف لم
يقف على هذا بالعلم؟ لِمَ لم تتبينه باليقين؛ ألم تعلم أن هذا الأمر بدأ
صغيرًا ثم هو ذا ينشأ من صغر إلى كبر هذا معلوم عند ذوي الألباب
معهود في قفايا العقول، ومن هنا قال قائلهم يصف بعضهم: