يَعْرِفُونَهَا إِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (62) . وربما كان ذلك
لعلهم يرجعون عن جهلهم إلى العلم كما قال الله جل من قائل في الكافرين: (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ(18) .
الظاهر من شأن يعقوب: إنه يشعر لبعض المعنى، لكنه لما كان الدليل عليه من
غير الوحي الذي هو المعهود في شأن الأنبياء لم يقف به ولا عدل عليه، لكنه أعطى
من المعنى من ظاهر فعله قسطه.
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين"وقد ائتمنهم على
يوسف فلم يكن ليأمنهم مرة أخرى على أخيه حتى أخذ مواثيقهم، أي: أيمانهم،
وليئتمن المرسل فيه، فإعطاء حظ التفطن للمعنى وأخذ المواثيق من هؤلاء وتوكل
على الله فوض إليه علم بواطنهم.
وأما قول يعقوب: (لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ)
حذرًا من العين؛ لما كان فيهم المحبوب تحركت الشفقة على
جميعهم وهي رقة المحبة كما قال القائل:
ونبئت ليلى بالعراق مريضة ... وماذا الذي تعني وأنت صديق
شفى الله مرضى بالعراق فإنني ... على كل شاكٍ بالعراق شفيق
ما أخبر الله جل ذكره بهذا كله إلا تنبيهًا للفطن من ركد الوسن، قد جاء
أن الله جل ذكره إذا غفر لمذنب ذنبًا ما غفر لكل مؤمن عمل بذلك الذنب ذنوبه،
وجاء أيضًا أنه يغفر يوم القيامة لكل من اسمه محمد.
ثم قال - عليه السَّلام -: (ومَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ
وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (67) . ما خلق الله من مخلوق إلا وبالحق
خلقه، وقد أعطاه من الحق المخلوق به قسطه وأظهر منه، لأنه مفعوله بقدرته
وبمقتضى اسم أو أسماء من أسمائه، ومعاني صفاته أوجده، فمن رجا ذلك
الموجود في هذا المفعول أو حذره من نفس المفعول ناسيًا للفاعل الحق
فقد عدل بالله عنده، ومن رجا ذلك الموجود أوجده بالله وحده مشددًا له
بالحكم والقدرة والمشيئة، فقد اهتدى بالحق وهُدي به، وهذا المعنى منبعث عن