آخر المثل إلى ما نحن بسبيل تبيانه من التأويل بقوله:"أنت عبدي وأنا ربك"فتفطن
بخطاب ربك، وإشارات رسوله تفز ببغيتك إن شاء الله.
ألا ترى أن مكرهم على يوسف شبه بمكر العدو اللعين بآدم حين أخرجه عن
قرار الفوز، وأنس القرب إلى الدنيا دار الغربة والوحشة والإذاية والفتن خروخ
يوسف إلى أرض الكفرة الأباعد، وتعريضه للفتن وسجنه فيما هنالك؛ وقال
رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"الدنيا سجن المؤمن"كذا آدم لما واقع الخطيئة هنالك سجن هاهنا.
كذلك فانظر إلى مكرهم في مجيئهم آباهم عشاء يبكون قد عالوا القميص دمًا كذبًا وقال النبي الصدق - عليه السلام -: (بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ) أي:
على ما ألاقيه من البعد، ومعلوم ما سبقه إليه ربه - عز وجل - من علمه من تأويل الرؤيا، ثم
قال: (وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ) .
ألا ترى إلى بيعهم إياه بالثمن البخس بدراهم معدودة إشارة إلى قلتها، ولم
يشعروا لما باعوه وفقدوه من نبي الله وصديقه ورسوله، وإلى جهل الذي اشتراه من
مصر بما صار إليه، وما أشبه هذا في العبرة ببيع أحدنا نفسه بدنيا قليل نفعها وشيك
زوالها زهيد متاعها، تذهب وتبقى تباعتها، لا تسر بقدر ما تضر، ما أشبه جهل البائع
منا بالبائع منهم والمشتري بالمشتري منهم، ثم مكن له في الأرض يتبوأ منها حيث
يشاء كما فعل بآدم - عليه السلام - ويكثر من ذريته.
ثم قال: (نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ) ولا يكون التمكين في الأرض رحمة إلا
[للمتقين] ، ثم قال: (وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ(56) . أي: الذي لم نمكن
لهم فيها، فصبروا وأحسنوا.
ثم قال: (وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا) أي: من التمكين في الأرض
لذلك، وهو أعلم قال: (وَكَانُوا يَتَّقُونَ(57) . خاطب من الآخرة، فكأن
تقواهم كالماضي.
وقال جلَّ قَولُهُ في ذكر التمكين الأول، وكذلك إشارة إلى ما كان في تأويل
ذكر الرؤيا من التمكين إشارة إلى ذلك بقوله:(كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ
إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ).