وَهَذَا تَأْوِيلٌ، وَقَوْلُ غَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ أَوْلَى عِنْدِي بِالصَّوَابِ، وَخِلَافُهُ مِنَ الْقَوْلِ أَشْبَهُ بِصِفَاتِ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ، إِنْ جَازَ أَنْ يَرْتَابُوا بِوَعْدِ اللَّهِ إِيَّاهُمْ، وَيَشُكُّوا فِي حَقِيقَةِ خَبَرِهِ، مَعَ مُعَايَنَتِهِمْ مِنْ حُجَجِ اللَّهِ وَأَدِلَّتِهِ مَا لَا يُعَايِنُهُ الْمُرْسَلُ إِلَيْهِمْ، فَيُعْذَرُوا فِي ذَلِكَ أَنَّ الْمُرْسَلَ إِلَيْهِمْ لِأَوْلَى فِي ذَلِكَ مِنْهُمْ بِالْعُذْرِ، وَذَلِكَ قَوْلٌ إِنْ قَالَهُ قَائِلٌ لَا يَخْفَى أَمْرُهُ،
وَقَدْ ذُكِرَ هَذَا التَّأْوِيلُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ أَخِيرًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ لِعَائِشَةَ، فَأَنْكَرَتْهُ أَشَدَّ النَّكْرَةِ فِيمَا ذُكِرَ لَنَا.
عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، قَالَ: قَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ: {حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا} فَقَالَ: «كَانُوا بَشَرًا ضَعُفُوا وَيَئِسُوا»
قَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعُرْوَةَ، فَقَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ:"مَعَاذَ اللَّهِ، مَا حَدَّثَ اللَّهُ رَسُولَهُ شَيْئًا قَطُّ إِلَّا عَلِمَ أَنَّهُ سَيَكُونُ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ، وَلَكِنْ لَمْ يَزَلِ الْبَلَاءُ بِالرُّسُلِ، حَتَّى ظَنَّ الْأَنْبِيَاءُ أَنَّ مَنْ تَبِعَهُمْ قَدْ كَذَبُوهُمْ، فَكَانَتْ تَقْرَؤُهَا: (قَدْ كُذِّبُوا) تُثَقِّلُهَا"
عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَ: قُلْتُ لَهَا: قَوْلُهُ: {حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا} قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: «لَقَدِ اسْتَيْقَنُوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِّبُوا» ، قُلْتُ: كُذِبُوا؟ قَالَتْ: مَعَاذَ اللَّهِ، لَمْ تَكُنِ الرُّسُلُ تَظُنُّ يَوْمًا، إِنَّمَا هُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ، لَمَّا اسْتَأْخَرَ عَنْهُمُ الْوَحْيُ، وَاشْتَدَّ عَلَيْهِمُ الْبَلَاءُ، ظَنَّتِ الرُّسُلُ أَنَّ أَتْبَاعَهُمْ قَدْ كَذَّبُوهُمْ {جَاءَهُمْ نَصْرُنَا} ""
وعَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرَّجُلُ مِمَّنْ كَذَّبَهُمْ مِنْ قَوْمِهِمْ أَنْ يُصَدِّقُوهُمْ، وَظَنَّتِ الرُّسُلُ أَنَّ مَنْ قَدْ آمَنَ مِنْ قَوْمِهِمْ قَدْ كَذَّبُوهُمْ، جَاءَهُمْ نَصْرُ اللَّهِ عِنْدَ ذَلِكَ» .