إِلَّا حاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها استثناء منقطع، أي ولكن حاجة في نفسه يعني شفقته عليهم وحرصه على ألا يعانوا (تصيبهم العين) وقضاها أي أظهرها، ووصى بها. وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ
إن يعقوب عليم بحقائق الأمور وأن العين لا توقع ضررا إلا بإذن الله، لتعليمنا إياه بالوحي وإقامة الحجج، ولذلك قال: وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ولم يغتر بتدبيره.
وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ وهم الكفار. لا يَعْلَمُونَ سر القدر، وأنه لا يغني عنه الحذر، وأن الحكم لله. وهذا ثناء من الله على يعقوب عليه السّلام.
المناسبة:
بعد أن أبان الله تعالى موافقة يعقوب على إرسال بنيامين مع إخوته إلى مصر، ذكر هنا وصيته لأولاده لما عزموا على الخروج إلى مصر، وهي الدخول من أبواب متفرقة، ليروا مدى الاهتمام والاستقبال لكل واحد منهم حين رؤية بنيامين شقيق يوسف، أو لئلا يحسدهم الحساد، وتصيبهم العين جميعا.
التفسير والبيان:
أمر يعقوب بنيه لما جهزهم مع أخيهم بنيامين إلى مصر ألا يدخلوا كلهم من باب واحد، وليدخلوا من أبواب متفرقة، لأنهم كانوا من أهل جمال وكمال، وذلك في رأي جمهور المفسرين لئلا تصيبهم العين، فإنه خاف من العين عليهم، والعين حق أي أنها سبب حق في الظاهر قد تؤدي إلى الضرر، ولكن بإذن الله وإرادته، بدليل قوله بعدئذ: وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ. أو ليروا من العزيز فرق الاستقبال بينهم وبين أخيهم بنيامين.
وَما أُغْنِي .. أي وما أدفع عنكم بوصيتي وتدبيري من قضاء الله شيئا، إذ لا يغني حذر من قدر، أي إن هذا الاحتراز لا يرد قدر الله وقضاءه، فإن الله إذا أراد شيئا لا يخالف ولا يمانع، ولكنا مأمورون باتخاذ وسائل الحيطة والحذر:
وَخُذُوا حِذْرَكُمْ [النساء 4/ 102] أخذا بالأسباب العادية الظاهرية التي لا تؤثر في الواقع شيئا إلا بإذن الله، واستعانة بالله، وفرارا منه إليه، وليس دفعا للقدر، وتحديا للقضاء، فلا يملك الإنسان من أمره شيئا، فما أراد الله بكم سوءا لم ينفعكم ولم يدفع عنكم ما أشرت به من التفرق، وهو مصيبكم لا محالة.