وقَالَ ابْنُ زَيْدٍ:"اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ أَنْ يُؤْمِنَ قَوْمُهُمْ بِهِمْ، وَظَنَّ قَوْمُهُمُ الْمُشْرِكُونَ أَنَّ الرُّسُلَ قَدْ كُذِبُوا مَا وَعَدَهُمُ اللَّهُ مِنْ نَصْرِهِ إِيَّاهُمْ عَلَيْهِمْ، وَخُلِفُوا، وَقَرَأَ: {جَاءَهُمْ نَصْرُنَا} قَالَ:"جَاءُ الرُّسُلَ النَّصْرُ حِينَئِذٍ، قَالَ: وَكَانَ أَبِي يَقْرَؤُهَا: {كُذِبُوا} ""
وَالْقِرَاءَةُ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ الَّذِي ذَكَرْنَا فِي قَوْلِهِ: {كُذِبُوا} بِضَمِّ الْكَافِ وَتَخْفِيفِ الذَّالِ، وَذَلِكَ أَيْضًا قِرَاءَةُ بَعْضِ قُرَّاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَعَامَّةِ قُرَّاءِ أَهْلِ الْكُوفَةِ.
وَإِنَّمَا اخْتَرْنَا هَذَا التَّأْوِيلَ وَهَذِهِ الْقِرَاءَةَ، لِأَنَّ ذَلِكَ عُقَيْبَ قَوْلِهِ: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى، أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} فَكَانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ إِيَاسَ الرُّسُلِ كَانَ مِنْ إِيمَانِ قَوْمِهِمُ الَّذِينَ أُهْلِكُوا، وَأَنَّ الْمُضْمَرَ فِي قَوْلِهِ: {وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا} إِنَّمَا هُوَ مِنْ ذِكْرِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْأُمَمِ الْهَالِكَةِ، وَزَادَ ذَلِكَ وُضُوحًا أَيْضًا إتْبَاعُ اللَّهِ فِي سِيَاقِ الْخَبَرِ عَنِ الرُّسُلِ وَأُمَمِهِمْ قَوْلَهُ: {فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ} إِذِ الَّذِينَ أُهْلِكُوا هُمُ الَّذِينَ ظَنُّوا أَنَّ الرُّسُلَ قَدْ كَذَبَتْهُمْ، فَكَذَّبُوهُمْ ظَنًّا مِنْهُمْ أَنَّهُمْ قَدْ كَذَبُوهُمْ.
وَقَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ مِمَّنْ قَرَأَ هَذِهِ الْقِرَاءَةَ إِلَى غَيْرِ التَّأْوِيلِ الَّذِي اخْتَرْنَا، وَوَجَّهُوا مَعْنَاهُ إِلَى: حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ مِنْ إِيمَانِ قَوْمِهِمْ، وَظَنَّتِ الرُّسُلُ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا فِيمَا وُعِدُوا مِنَ النَّصْرِ [1] .
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَرَأَ: {وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا} خَفِيفَةً قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَقُولُ كَمَا يَقُولُ: أُخْلِفُوا: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: قَالَ لِيَ ابْنُ عَبَّاسٍ:"كَانُوا بَشَرًا، وَتَلَا ابْنُ عَبَّاسٍ: {حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ، أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: ذَهَبَ بِهَا إِلَى أَنَّهُمْ ضَعُفُوا، فَظُنُّوا أَنَّهُمْ أُخْلِفُوا"
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «كَانُوا بَشَرًا قَدْ ظَنُّوا»
[1] لا يخفى ما فيه من بُعْدٍ وفساد، فالشك في إنجاز وعْد الله كفر، فهل يتصور صدوره من رسل الله؟! (سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ) .