والأخبار الصحيحة دلت على أن النقل من النار إلى الزمهرير وبالعكس يحصل في كل يوم مراراً فبطل هذا الوجه ، وأما قوله إن مثل هذا الاستثناء حاصل في جانب السعداء فنقول: أجمعت الأمة على أنه يمتنع أن يقال: إن أحداً يدخل الجنة ثم يخرج منها إلى النار ، فلأجل هذا الإجماع افتقرنا فيه إلى حمل ذلك الاستثناء على أحد تلك التأويلات.
أما في هذه الآية لم يحصل هذا الإجماع ، فوجب إجراؤها على ظاهرها فهذا تمام الكلام في هذه الآية.
واعلم أنه تعالى لما ذكر هذا الاستثناء قال: {إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لّمَا يُرِيدُ} وهذا يحسن انطباقه على هذه الآية إذا حملنا الاستثناء على إخراج الفساق من النار ، كأنه تعالى يقول أظهرت القهر والقدرة ثم أظهرت المغفرة والرحمة لأني فعال لما أريد وليس لأحد عليَّ حكم ألبتة.
ثم قال: {وَأَمَّا الذين سُعِدُواْ فَفِي الجنة خالدين فِيهَا مَا دَامَتِ السماوات والأرض إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ} وفيه مسألتان:
المسألة الأولى:
قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم {سُعِدُواْ} بضم السين والباقون بفتحها وإنما جاز ضم السين لأنه على حذف الزيادة من أسعد ولأن سعد لا يتعدى وأسعد يتعدى وسعد وأسعد بمعنى ومنه المسعود من أسماء الرجال.
المسألة الثانية:
الاستثناء في باب السعداء يجب حمله على أحد الوجوه المذكورة فيما تقدم وههنا وجه آخر وهو أنه ربما اتفق لبعضهم أن يرفع من الجنة إلى العرش وإلى المنازل الرفيعة التي لا يعلمها إلا الله تعالى.
قال الله تعالى: {وَعَدَ الله المؤمنين والمؤمنات جنات تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار خالدين فِيهَا ومساكن طَيّبَةً فِى جَنَّاتِ عَدْنٍ ورضوان مّنَ الله أكبر} [التوبة: 72] وقوله: {عَطَاء غَيْرَ مَجْذُوذٍ} فيه مسألتان:
المسألة الأولى: