ولعلك تعلم وتفهم من دعاء موسى هذا في مقابلة قول فرعون، وهو يعلم أنه محفوظٌ منه لقوله تعالى: {قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى} [سورة طه: 46] أن العبد لا ينبغي له أن يغفل عن ذكر الله تعالى عند كل قليل وكثير، واللجاء إليه في كل خطب حقير وجليل، ولذلك أوحى الله تعالى إلى موسى وهارون عليهما السلام بقوله: {اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي (42) اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (43) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (44) قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى (45) قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى} [سورة طه: 42 - 46] .
وهو مع تعريفه إياهما أنه معهما بالحفظ والكَلأَة أمرهما بإلانة
القول له إشارة إلى أن الرفق حتى مع الأعداء له فعل وتأثير.
وقد قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في قوله: {فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا} : كَنِّياه. أخرجه ابن المنذر.
وروى هو وعبد الرزاق، وابن أبي حاتم عن سفيان الثوري أنه قال في الآية: كَنِّياه يا أبا مرة.
ومن هنا تعلم أن لفرعون كنية، وأنه يوافق إبليس في كنيته.
ومن ثم أيضاً قيل: إذا عرض لك عند الكلب حاجة فقل له: يا أبا المنذر.
وروى ابن أبي حاتم عن الفضل بن عيسى الرقاشي رحمه الله تعالى: أنه تلا قوله تعالى: {فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا} فقال: يا من يتحَبَّبُ إِلَى من يعاديه، فكيف بمن يتولاه ويناديه.
ثم قال الله تعالى: {وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ} ؛ أي: حين قال فرعون ذروني أقتل موسى {أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ} [سورة غافر: 28] .
روى ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: لم يكن مؤمن من آل فرعون غيره، وغير امرأة فرعون، وغير المؤمن الذي أنذر موسى عليه السلام الذي قال: إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ
بِكَ لِيَقْتُلُوكَ [سورة القصص: 20] .
قال ابن المنذر: وأخبرت أن اسمه حزقيل.