وفي لفظ:"قَالَ لِي جِبْرِيْلُ عَلَيْهِ السَّلامُ: مَا كَانَ عَلَى الأَرْضِ شَيْءٌ أَبغَضَ إِليَّ مِنْ فِرْعَونَ، فَلمَّا آمَنَ جَعَلْتُ أَحْشُو فَاهُ حَمْأَةً، وَأَنَا أَغُطُّهُ خَشيَةَ أَنْ تُدرِكَهُ الرَّحْمَةُ". أخرجه الطَّبراني في"الأوسط".
وقوله:"خَشْيَةَ أَنْ تُدْرِكَهُ الرَّحْمَةُ"بهذه اللفظة.
وأنكر الزمخشري هذه اللفظة، ولا وجه لإنكاره مع ثبوته، ولا فرق في المعنى بين الخشية والمخافة.
وأخرجه ابن مردويه عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما ولفظه:
قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:"قَالَ لِيْ جِبْرِيْلُ عَلَيْهِ السَّلام: مَا غَضِبَ ربُّكَ عَلَى أَحَدِ غَضَبَهُ عَلَى فرْعَوْنَ إذْ قَالَ: {مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي} [سورة القصص: 38] وَإِذْ قَالَ: {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} [سورة النازعات: 24] ، فَلمَّا أَدْرَكَهُ الغَرَقُ اسْتَغَاثَ وَأَقْبَلْتُ أَحْشُو فَاهُ مَخَافَةَ أَنْ تُحْرِكَهُ الرَّحْمَةُ".
وهذه الرواية توضح ما ذكرناه أن ذلك كان لعلم جبريل عليه السلام بأنَّ فرعون ليس من أهل الرحمة لعلمه بغضب الله تعالى عليه أشد الغضب.
وأشد الغضب إنما يستحقه الكافر الذي حيل بينه وبين الإيمان، أو كان مأموراً بفعل ذلك به، ففعل ذلك مخافة أن يسبقه فرعون بإيمان صادق نافع، فتحق المعصية على جبريل عليه السَّلام بمخالفة الأمر.
هذا ومن زعم أنَّ فرعون اَمن إيماناً نافعاً له في الآخرة منقذاً له من النَّار فقد صادم النُّصوص، وخالف الإجماع.
وما يحتج به بعض الجهال الضلال مما وقع في كلام الشيخ محيى الدين بن عربي في"الفصوص"، وغيره فليس بحجة بعد ثبوت خلافه بالحجج القاطعة.
وبناء كلام ابن العربي على اصطلاح الصوفية من إطلاق صفة الفرعونية على النفس الرَّدية حتى إذا أطلقوا اسم فرعون أرادوا به النفس
أخذاً من قول سهل التستري رضي الله تعالى عنه: للنفس سر؛ لم يظهر ذلك السر إلا على فرعون حيث يقول: {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} [سورة النازعات: 24] .