وفي الحديث عن ابن عبَّاس رضي الله تعالى عنهما في الآية: أنَّ النَّبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"قالَ لِي جِبْرِيْلُ: يَا مُحَمَّد! لَو رَأيتَنِي وَأنَا آخِذٌ مِن"
حَالِ البَحْرِ فَأُدْنِيهِ فِي فِيهِ"."
وفي رواية:"فِي فِيِّ فِرعونَ مَخَافةَ أنْ تُدرِكَهُ الرَّحمَةُ". رواه الإمام أحمد، والترمذي؛ وحسنه باللفظ الأول، وصححه باللفظ الثاني هو وابن حبان، والحاكم.
وهذا لم يكن من جبريل إلا بأمر الله تعالى، أو لما علم أنَّه ليس من أهل أن يرحم، ويدل عليه حديث أبي أمامة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"قَالَ لِي جِبْرِيْلُ: مَا أَبْغَضْتُ شَيْئاً مِن خَلْقِ اللهِ مَا أَبْغَضْتُ إِبْلِيْسَ يَوْمَ أُمِرَ بِالسُّجُودِ فَأَبَى أَنْ يَسْجُدَ، وَمَا أَبْغَضْتُ شَيْئاً أَشَدَّ بُغْضًا مِن فِرْعَونَ، فَلَمَّا كَانَ يَومُ الغَرَقِ خِفْتُ أَنْ يَعْتَصِمَ بِكَلِمَةِ الإِخْلاصِ فَينْجُو، فَأَخَذْتُ قَبْضَةً مِن حَمْأَةٍ فَضَرَبْتُ بِهَا فِي فَمِهِ، فَوَجَدْتُ اللهَ عَلَيْهِ أَشَدَّ غَضَبًا مِنِّي، فَأمَرَ مِيْكَائِيْلَ عليه السَّلام ليُعَيّرَهُ، فَقَالَ: {آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ} [سورة يونس: 91] ". أخرجه أبو الشيخ.
وبهذا علم أن قوله:"مَخَافَةَ أَنْ تُدْرِكَهُ الرَّحْمَةُ"لم يكن كراهة للإيمان، ولا رضى بالكفر؛ فإن الرضى بالكفر كفر.
ولمَّا فهم ذلك الزمخشري حمله فهمه أن أنكر هذه اللفظة في الحديث، وقال: إنَّها من زيادات الباهتين لله ولملائكته، وليس كما قال، وهو مخطئ فيه؛ فقد صحت هذه اللفظة في الحديث، وأطبقت عليها رواية الثقات من حديث ابن عباس، ومن حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -."قَالَ لِي جِبْرِيْلُ عَلَيْه السَّلام: لَوْ رَأَيْتَنِي يَا مُحَمَّد وَأَنَا أَغُطُّ فِرعَونَ بِإِحْدَى يَدَيَّ، وَأَدُسُّ مِن الْحَال فِي فِيْهِ مَخَافَةَ أَنْ تُدْرِكَهُ رَحْمَةُ اللهِ فَيُغْفَرَ لَه". أخرجه ابن جرير، والبيهقي في"شعب الإيمان".