إذن: فقصته مع بني إسرائيل تأتي بعد إيتائه الكتاب ، أي: التوراة .
وهنا يتكلم الحق سبحانه عن آيات موسى عليه السلام مع فرعون فيقول:
{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا موسى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ} [هود: 96] .
أي: سلطان محيط لا يدع للخصم مكاناً أو فكاكاً .
ثم يقول الحق سبحانه: {إلى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ}
والملأ: هم القوم الذين يملأون العيون ، ويتصدرون المجالس . ويقال:"فلان ملء العين"أي: لا تقتحمه العيون ؛ لأنه واضح ظاهر .
فالملأ إذن هم أشراف القوم ، وهم عادة الذين يزينون للطاغية الاستخفاف بالرعية .
والحق سبحانه يقول:
{فاستخف قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فَاسِقِينَ} [الزخرف: 54] .
وحين يتكلم الحق سبحانه عن فرعون والملأ والقوم ، نجده يبيِّن ويفصل بين الملأ من جهة ، وفرعون من جهة أخرى ، وكذلك يفصل بين الفرعون والملأ من جهة ، والقوم من جهة أخرى . . فلكل طرف من تلك الأطراف الثلاثة أسلوب يعامله الحق سبحانه به .
وهنا يبيِّن لنا الله سبحانه أن الملأ قد اتبعوا أمر فرعون ، هذا الأمر الذي يصفه الحق سبحانه بقوله:
{وَمَآ أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ} [هود: 97] .
والرشد يقابله الغيُّ ، وهذا القول يدلنا على أن الملأ من قوم فرعون لم يتدارسوا أمر فرعون بتأنٍّ ، ولم تستقبله عقولهم بالبحث ، وهم لو فعلوا ذلك لما اتبعوا أمر فرعون .
ويبيِّن الحق سبحانه لنا عدم رشد أمر فرعون ، فهو يذكر لنا ما يحدث له يوم القيامة هو وقومه ، فيقول تعالى: {يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ القيامة}