ولأنّ {ضائق} لاَ دَلالَة فيه على تمكّن وصف الضّيْق من صدره بخلاف ضيّق ، إذ هو صفة مشبهة وهي دالة على تمكن الوصف من الموصوف ، إيماء إلى أنّ أقْصَى ما يتوهّم توقعه في جانبه صلى الله عليه وسلم هو ضَيْق قليل يعرض له.
والضيق مستعمل مجازاً في الغم والأسف ، كما استعمل ضده وهو الانشراح في الفرح والمسرة.
و {ضائق} عطف على {تارك} فهو وفاعله جملة خبر عن (لعلّك) فيتسلط عليه التفريع.
والباء في {بِه} للسببية ، والضمير المجرور بالباء عائد على ما بعده وهو {أن يقولوا} .
و {أن يقولوا} بدل من الضمير.
ومثل ذلك مستعمل في الكلام كقوله تعالى: {وأسروا النّجْوَى الّذينَ ظَلَموا} [الأنبياء: 3] ، فيكون تحذيراً من أن يضيق صدره لاقتراحهم الآيات بأن يقولوا: {لولا أنزل عليه كنزٌ أو جاء معه ملكٌ ، ويحصل مع ذلك التحذير من أن يضيق صدره من قولهم: إن هذا إلاّ سِحْرٌ مبِين} [هود: 7] ، ومن قولهم: ما يَحْبس العذاب عنا ، بواسطة كون {ضائق} داخلاً في تفريع التحذير على قولَيْهم السّابقَيْن.
وإنما جيء بالضمير ثم أبدل منه لقصد الإجمال الذي يعقبه التفصيل ليكون أشد تمكّناً في الذهن ، ولقصد تقديم المجرور المتعلق باسم الفاعل على فاعله تنبيهاً على الاهتمام بالمتعلّق لأنّه سبب صدور الفعل عن فاعله فجيء بالضمير المفسر فيما بعدُ لما في لفظ التفسير من الطول ، فيحصل بذكره بُعد بين اسم الفاعل ومرفوعه ، فلذلك اختصر في ضمير يعود عليه ، فحصَل الاهتمام وقُوّيَ الاهتمام بما يدل على تمكنه في الذهن.
ومعظم المفسرين جعلوا ضمير {به} عائداً إلى {بعض ما يوحى إليك} .
على أن ما يوحى إليه سبب لضيق صدره ، أي لا يضيق له صدرك ، وجعلوا {أن يقولوا} مجروراً بلام التعليل مقدرة.
وعليه فالمضارع في قوله: {أن يقولوا} بمعنى المضي لأنهم قالوا ذلك.
واللام متعلقة بـ {ضائق} وليس المعنى عليه بالمتين.