ولكسر حدة الغل أباح لك الحق سبحانه وتعالى أن تعتدي على من اعتدى عليك بمثل ما اعتدى ؛ لأن سبحانه وتعالى لا يريد لك أن تظل في حالة غليان بالغضب أو القهر بما يمنعك من العمل ، بل يريد الحق سبحانه أن تتوجه بطاقاتك إلى أداء عملك .
ولذلك لا يلزمك الحق سبحانه إلا بحكم العدل فيقول عز وجل:
{فَمَنِ اعتدى عَلَيْكُمْ فاعتدوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعتدى عَلَيْكُمْ} [البقرة: 194] .
ولكن هناك القادر على التحكم في نفسه ، ولذلك يقول الحق سبحانه:
{والكاظمين الغيظ} [آل عمران: 134] .
ومعنى كظم الغيظ: أن الغيظ موجود ، لكن صاحبه لا يتحرك بنزوع انتقامي ، مثلما تقول:"كظمت القِرْبة"لأن حامل القربة لو لم يكظم الماء فيها ، لتفلَّت الماء منها ، أي: أنه يحبس الماء فيها .
وكظم الغيظ درجة ومنزلة ، قد لا تكون إيجابية ؛ لأن الغيظ ما زال موجوداً ؛ ولذلك تأتي مرحلة أرقى ، وتتمثل في قول الحق سبحانه:
{والعافين عَنِ الناس} [آل عمران: 134] .
أي: أن تُخرج الغيظ من قلبك وتتسامح .
إذن: فأنت هنا أمام مراحل ثلاث:
أن تردَّ الاعتداء عليك بمثله ، والمثليَّة في رد الاعتداء أمر لا يمكن أن يتحقق ، فمن صفعك صفعة ، كيف تستطيع أن تضبط كمية الألم في الصفعة التي ردها إليه؟
إن المتحكم في ردِّ الاعتداء هو الغضب ، والغضب لا يقيس الاعتداء بمثله ، فلا يتحقق العدل المطلوب ؛ لهذا يكون الصبر خيراً مصداقاً لقوله تعالى:
{وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ} [النحل: 126] .
فإن أزدتَ من قوة صفعتك تكون معتدياً .
ولعلنا نذكر مسرحية"تاجر البندقية"لشكسبير ، وبطلها هذا التاجر اليهودي الذي أقرض رجلاً مالاً ، وكان صَكُّ القرض يفرض أن يقتطع اليهودي رطلاً من لحم المقترض إن تأخر في السداد .