ولذلك قلنا: إنك تحصِّن كل نعمة عندك بقولك عند رؤيتها:"بسم الله ما شاء الله"؛ لتتذكر أن هذه النعمة لم تأت بجهدك فقط ، ولكنها جاءت لك أولاً بمشيئة الله سبحانه وتعالى ، وذلك لتبقي عين الواهب حارسة للنعمة التي عندك .
أما حين تنسى الواهب فلن يحفظ تلك النعمة لك .
ونحن نلحظ أن الحق سبحانه وتعالى لم يمنع الفرح المنبعث عن انشراح الصدر والسرور بنعمة الله بل طلبه منا في قوله سبحانه:
{قُلْ بِفَضْلِ الله وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ} [يونس: 58] .
ولكن الحق سبحانه يطلب من المؤمن أن لا يكون الفرح المنبعث لأتفه الأسباب ، والملازم له ، وإلا كان من الفرحين الذين ذمهم الله تعالى .
يقول الحق سبحانه وتعالى بعد ذلك: {إِلاَّ الذين صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات}
وكلمة {صَبَرُواْ} هنا موافقة للأمرين الذين سبقا في الآيتين السابقتين ، فهناك نزع الرحمة ، وكذلك هناك"نعماء"من بعد"ضرَّاء"، وكلا الموقفين يحتاج للصبر ؛ لأن كلاّ منا مقدور للأحداث التي تمر به ، وعليه أن يصبر لملحظية حكمة القادر سبحانه .
وبدأ الحق سبحانه وتعالى هذه الآية بالاستنثاء ، فقال جل وعلا:
{إِلاَّ الذين صَبَرُواْ} [هود: 11] .
ولولا هذا الاستثناء لكان الكل كل البشر ينطبق عليهم الحكم الصادر في الآيتين السابقتين ، حكم باليأس والكفر ، أو الفرح والفخر دون تذكُّر واهب النعم سبحانه .
ولكن هذا الاستثناء قد جاء ليُطمئن الذين صبروا على ما قد يصيبهم في أمر الدعوة ، أو ما يصيبهم في ذواتهم ؛ لا من الكافرين ؛ لكن بتقدير العزيز العليم .
أو أنهم صبروا عن عمل إخوانهم المؤمنين .
إذن: فالصبر معناه حدُّ النفس بحيث ترضى عن أمر مكروه نزل بها . والأمر المكروه له مصادر عدة ، منها:
* أمر لا غريم لك فيه كالمرض مثلاً .