أي: أن العذاب يُؤخَّر .
وقد أوعد الحق سبحانه الكافرين بمحمد صلى الله عليه وسلم بأن يعذبهم ، وكان العذاب للأمم السابقة هو عذاب استئصال ، منهم من أرسل الله سبحانه عليه عاصفة ، ومنهم من أخذته الصيحة ، ومنهم من أغرقه ، ومنهم من خسف به الأرض .
فكأن مهمة الرسل السابقين أن يبلغوا الدعوة ، ثم تتلوى السماء تأديب الكافرين بالرسالات .
ولكن الحق سبحانه وتعالى قد شاء أن يفضِّل أمة محمد صلى الله عليه وسلم على الأمم كلها ، وأن تعذِّب الكافرين في المعارك .
وحين يتوعدهم الرسول صلى الله عليه وسلم بعذاب ، فللعذاب ميلاد ، وقد يُؤخَّر ليرى المحيطون بالكافرين الضلال والفساد ، فإذا ما وقع عذاب الله سبحانه على هؤلاء الكافرين ، فلن يحزن عليهم أحد .
وهكذا أراد الله سبحانه الإمهال والإملاء ليكون لهما معنى واضح في الحياة ، والإملاء للظالم ؛ لتزداد مظالمه زيادة تجعل الأمة التي يعيش فيها تكره ظلمه ، فإذا وقع عليه عذاب ، لا يعطف عليه أحد .
ونحن نعلم أن النفس البشرية بنت المشهد ، فحين يُقتل واحد وتمر سنوات على قضيته ، ثم يصدر الحكم بإعدامه ، فالناس تنسى لذعة القتل الأول ، وتعطف على القاتل حين يصدر الحكم بإعدامه .
ولذلك أقول دائماً:
إن من دواعي استمرار الجرائم إبطاءات المحاكمة ، تلك الإبطاءات التي تجعل عواطف الناس من المجرم ؛ لأن مشهد المقتول أولاً قد انتهى من ذاكرتهم .
ولكن لو استحضر الناس وقت العقوبة ظرف الجريمة ؛ لَفرِحوا بالحكم على القاتل بالقتل .
ولذلك نجد الحق سبحانه وتعالى حينما يريد أن يعذب أحداً يقول:
{وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٌ مِّنَ المؤمنين} [النور: 2] .
وذلك ليتم التعذيب أمام المجتمع الذي شقى بإفسادهم وشقى بمظالمهم ، فمن يُعتدَى على عرضه ، ويرى عذاب المعتدي فهو يُشْفى .