ولا شك أن العاقل إذا علم أن الحكمة التي خلق من أجلها هي أن يبتلي أي يختبر: بإحسان العمل فإنه يهتم كل الاهتمام بالطريق الموصلة لنجاحه في هذا الاختبار ، ولهذه الحكمة الكبرى سأل جبريل النَّبي صلى الله عليه وسلم عن هذا ليعلمه لأصحاب النَّبي صلى الله عليه وسلم فقال:"أخبرني عن الإحسان"، أي وهو الذي خلق لأجل الاختيار فيه ، فبين النَّبي صلى الله عليه وسلم أن الطريق إلى ذلك هي هذا الواعظ ، والزاجر الأكبر الذي هو مراقبة الله تعالى ، والعلم بأنه لا يخفى عليه شيء مما يفعل خلقه ، فقال له:
"الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك".
واختلف العلماء في المراد بقوله في هذه الآية الكريمة {أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ} وقوله {يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ} وفي مرجع الضمير في قوله: {مِنْهُ} .
فقال بعض العلماء: معنى {يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ} يزورون عن الحقن وينحرفون عنه ، لأن من أقبل على الشيء استقبله بصدرهن وازور عنه وانحرف ثنى عنه صدره ، وطوى عنه كشحه. بهذا فسره الزمخشري في الكشاف.
قال مقيده - عفا الله عنه - وهذا المعنى معروف في كلام العرب ، فهم يعبرون باعوجاج الصدر عن العدول عن الشيء والميل عنه ، ويعبرون بإقامة الصدر عن القصد إلى الشيء وعدم الميل عنه.
فمن الأول قول ذي الرمة غيلان بن عقبة العدوي عدي الرباب:
خليلي عوجا بارك الله فيكما... على درامي من صدور الركائب
تكن عوجة يجزيكما الله عنده... بها الأجر أو تقضي ذمامة صاحب
يعني: اثنيا صدور الركائب إلى دارمي:
ومن الثاني قول الشنفرى.
اقيموا بني أمي صدور مطيكم... فإني إلى القول سواكم لأميل
وقول الآخر:
أقول لأم زنباع أقيمي... صدور العيش شطر بني تميم
وقيل: نزلت هذه الآية الكريمة في الأخنس بن شريق الثقفي حليف بني زهرة.
كان حلو المنطق ، يلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بما يحب وينطوي له بقلبه على ما يسوء.