اعلم أن الله تبارك وتعالى ما أنزل من السماء إلى الأرض واعظاً أكبر ، ولا زاجراً أعظم مما تضمنته هذه الآيات الكريمة وأمثالها في القرآن ، من أنه تعالى عالم بكل ما يعمله خلقه ، رقيب عليهم ، ليس بغائب عما يفعلون. وضرب العلماء لهذا الواعظ الأكبر. والزاجر الأعظم مثلاً ليصير به كالمحسوس ، فقالوا: لو فرضنا أن ملكاً قتّالا للرجال ، سفّاكاَ للدماء شديد البطش والنكال على من انتهك حرمته ظلماً ، وسيافه قائم على رأسه ، والنطع مبسوط للقتل ، والسيف يقطر دماً ، وحول هذا الملك الذي هذه صفته جواريه وأزواجه وبناته ، فهل ترى أن أحداً من الحاضرين يهتم بريبة أو بحرام يناله من بنات ذلك الملك وأزواجه ، وهو ينظر إليه ، عالم بأنه مطلع عليه؟! لا ، وكلا! بل جميع الحاضرين يكونون خائفين ، وجلة قلوبهم ، خاشعة عيونهم ، ساكنة جوارحهم خوفاً من بطش ذلك الملك.
ولا شك [والله المثل الأعلى] أن رب السماوات والأرض جل وعلا أشد علماً ، وأعظم مراقبة ، وأشد بطشاً ، وأعظم نكالا وعقوبة من ذلك الملك ، وحماه في أرضه محارمه. فإذا لاحظ الإنسان الضعيف أن ربه جل وعلا ليس بغائب عنه ، وأ ، ه مطلع على كل ما يقول وما يفعل وما ينوي لأن قلبه ، خشي الله تعالى ، وأحسن عمله لله جل وعلا.
ومن أسرار هذه الموعظة الكبرى أن الله تبارك وتعالى صرح بأن الحكمة التي خلق الخلق من أجلها هي أن يبتليهم أيهم أحسن عملاً ، ولم يقل: أيهم أكثر عملاً ، فالابتلاء في إحسان العلم ، كما قال تعالى في هذه السورة الكريمة: {وَهُوَ الذي خَلَق السماوات والأرض فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى المآء لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} [هود: 7] الآية.
وقال في الملك: {الذي خَلَقَ الموت والحياة لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ العزيز الغفور} [الملك: 2] .