أما في الدنيا فإنه يتكون مجتمع فاضل كريم حيث يكون كل ذي فضل في مكانته، فيعطى حقه غير منقوص، ويتمتع الجميع بمتاع حسن وتكون الحقوق قائمة أدبية ومادية، فالمجتمعات التي لَا تظلها الفضيلة لَا تعرف فيها قيم الأفاضل وتضطرب الموازين اضطرابا شديدا بل تنقلب للرجال والأعمال معا.
وأما في الآخرة يؤتي ذو الفضل فضله بالنعيم المقيم والرضوان من رب العالمين وهو الجزاء الأكبر. وفي قوله تعالى: (وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ) معناه جزاء فضله ولم تذكر كلمة الجزاء، وإن قدرت في مطوي الكلام، للإشارة إلى أن الجزاء مساوٍ للفضل تماما حتى كأنه هو، فاللَّه تعالى عادل حكيم. وفي مقابل جزاء الذين يحسنون قال تعالى مهددا من يعرضون: (وَإِن تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كبِيرٍ) تولوا أصلها تتولوا وحذفت التاء لتوالي التاءات وذلك كثير في العربية وفى القرآن الكريم، ويكون خطابا للمخاطبين في قوله تعالى: (وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ) ولكن من الذي يخاطبهم، أهو اللَّه تعالى أم نبيه - صلى الله عليه وسلم -، واللَّه جل جلاله لَا ينسب له الخوف (فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ) فيكون أليق بالنبي - صلى الله عليه وسلم - على أساس بشارته وإنذاره. الكلمات إنذار للذين يعرضون وينصرفون عن كلام اللَّه وهو أنهم محل خوف ممن أرسله هاديا ومبشرا ونذيرا، وقد أكد اللَّه تعالى الخوف عليهم بالجملة الاسمية وبكلمة (إن) ، وقوله تعالى: (عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ) الكِبَرُ
ُوصف لليوم، وكبره؛ لأن فيه أهوالا شديدة؛ ولأنه يوم الشدة يحس الإنسان بطوله كما أنه في ذاته كبير فيه الحساب والثواب والعقاب.
(إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(4)
قدم الجار والمجرور للدلالة على القصر، أي إلى اللَّه وحده مرجعكم لَا إلى أحد سواه ولا شريك له في الحكم على أعمالكم وأقوالكم وما كسبتم واكتسبتم، ولذكر لفظ الجلالة تربية للمهابة في قلوبهم، وفي ذلك إنذار شديد للمشركين الذين أشركوا غيره باطلا، ثم يؤكد سبحانه الإنذار بقوله: (وَهُوَ عَلَى كلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ) .