الغرض الثاني: التفريق في أسلوب الكلام بين المتقارنين في العبارة للإِشعار بالفرق بينهما، وبأنهما لا يحسُن الحديث عنهما بتعبيرين متثماثلَيْن، ولو في الصيغة الكلاميّة، ومن الأمثلة قول الله عزّ وجلّ في سورة هود في حكاية قول هودٍ عليه السلام لقومه: {قَالَ إني أُشْهِدُ الله واشهدوا أَنِّي بريء مِّمَّا تُشْرِكُونَ} .
كان مقتضى الظاهر أن يقول لهم: إِنِّي أُشْهِدُ اللهَ وَأَشْهِدُكُمْ أَنِّي بَرِيءٌ ممّا تُشْرِكون.
لكن جاء التعبير على خلاف مقتضى الظاهر هذا، لئلا يكون التحدّث عنهم وهم كفرة مشركون بعبارة مُشابهة للعبارة الّتِي جاء فيها إشْهَادُ الله عزّ جلّ.
{وَلَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَاهِيمَ بالبشرى قَالُواْ سَلاَماً قَالَ سَلاَمٌ فَمَا لَبِثَ أَن جَآءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (69) }
حَنيذٍ: أي: مَشْوِي، يقال لغة: حَنَذَ العِجْلَ ونَحْوَه يَحْنِذُهُ حَنْذاً وتحْنَاذَا إذا شَوَاه، بأنْ دسّه في النار أو في حجارة مُحْمَاةٍ بالنار.
نلاحظ في هذه الآية أنّ الرسُلَ من الملائكة لما جاءوا سيدنا إبراهيم عليه السلام ليبشّروه بغلام من زوجته"سارة"العجوز العقيم، على صور بشرٍ، لم يعرفهم في أول الأمر، وظنّهم ضيوفاً من الناس، فسلموا عليه سلاماً اتبدائياً بجملة فعليّة حُذِف فعلُها، وأبقي منها المفعول المطلق منصوباً بالفعل المحذوف، فقالوا:"سَلاماً"أي: نُسلّم عليكَ سلاماً.
فردّ إبراهيم عليه السلام تحيّتهم بأحسن منها، فجاء بجملة اسميّة هي أقوى وآكد من الجملة الفعليّة، فقال:"سَلاَمٌ"بالرْفع، أي: سلامٌ عليكم، سواءٌ اعتبرنا"سلامٌ"مبتدأ، وهذا ممّا يجوز فيه الابتداء بالنكرة، لأنه من المصادر، فعبارة"عليكم"المحذوفة إيجازاً، هي جار ومجرور متعلقان بخبر محذوف هو اسم فاعلٍ من الكون العام، وهو يتحمل الضمير كالفعل، وتقديره: سلامٌ كائنٌ عليكم، وقد سبق أن عرفنا أنّ الجملة الاسمية التي يتحمل خبرها أو ما يتعلّق به ضمير المبتدأ أقوى وآكد من الجملة الفعليّة، أو اعتبرنا"سلامٌ"خبر مبتدأ محذوف تقديره: تحيتي سلام عليكم، فلفظ"سلام"مصدر يعمل عمل الفعل، فهو بقوة الجملة الفعلية.
{إِنَّ فِي ذلك لآيَةً لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ الآخرة ذلك يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ الناس وَذَلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ (103) }
الشهود: هو الحضور المصحوب بإدراك الحواس.