* وأخيراً جاء الختم بإعلان طَرْدِ الكافرين بعبارة: {وقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمين} للإِشارة إلى أنّ مَنْ أُبْعِدَ من الرَّحْمَةِ هُمُ الكافرونَ فقط.
(فصل)
* ومن أمثلة الإِرْداف ما جاء في قول الله عزَّ وجلَّ في سورة هود: {وَقِيلَ ياأرض ابلعي مَآءَكِ وياسمآء أَقْلِعِي وَغِيضَ المآء وَقُضِيَ الأمر واستوت عَلَى الجودي وَقِيلَ بُعْداً لِّلْقَوْمِ الظالمين} [الآية: 44] .
قالوا: إن عبارة: {وَقُضِيَ الأمر} اختيرت بإحكام بدل أن يُقالَ: وهلَكَ من قضى الله إهلاكَهُمْ، ونجا من قضى الله نجاتهم.
وحصل العدول عن التعبير المتروك، واخْتِيرَ رَدِيفٌ لَهُ يُؤَدّي المقصودَ منه مع أغراض أخرى، منها: الإِيجاز في العبارة، والتنبيهُ على أنْ هلاك الهالك ونجاة الناجي كانَ بأمْرِ آمرٍ أمْرُهُ تكْوين، إذا أراد شيئاً فإنّما يقول له: كن فيكون، وكان بقضاء مَنْ لا رادّ لقضائه، ومنها توازن الفقرات في الآية.
وإن عبارة: {واستوت عَلَى الجودي} اختيرت بإحكام بَدَل أن يقال: وجَلَستْ على الجودي. أو واسْتَقَرَّتْ على الجودي. لما في التعبير بالاستواء من الإِشعار بأنّها اسْتَقَرّت على جبل الجودي استقرارَ تَمَكُّنٍ لا زيغ فيه ولا مَيْلَ إلى جهة الأمام، إو إلى جهة الخلف، أو إلى اليمين، أو إلى الشمال، فالاسْتقرار المستوي لا تفيدُه عبارةٌ أُخرى كما تفيده عبارة: {واسْتَوَت} .
(فائدة)
ذكر ابن أبي الإِصْبع أنّ في هذه الآية قُرابَةَ عشرين ضرباً من ضروب البديع فذكر منها: الطباق، وحُسْنَ النَّسق، وحُسْنَ التعليل، وصحّة التقسيم، والتسهيم"الإِرصاد"، والإِرداف.
وذكر الإِيجاز، والمجاز، والاستعارة، إلى غير ذلك.
{... إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ ... (46) }
فالصورة التي قد تتركّز في الخيال لدى مشاهدة إنسان ليس له عمل صالح، أنّه كتلة من عمل غير صالح، وتنعدم الذات وسائر أعمالها، ولا يبقى في التَّخيُّل إلاّ صورة العمل غير الصالح ومن كان كذلك فهو لا يستحقّ الشفقة عليه.
{قَالَ إني أُشْهِدُ الله واشهدوا أَنِّي بريء مِّمَّا تُشْرِكُونَ (54) }