قوله تعالى حكاية عن قوم شعيب: إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ) فلم يخرجوه على جهة استحقاقه للمدح بهاتين الصفتين مع كونه أهلا لهما، وإنما أخرجوه مخرج الاستهزاء والتهكم بحاله، تمردا واستكبارا، وغرضهم إنك لأنت السفيه الجاهل، حيث أمرهم بما أمرهم من الخير والمعروف فأبوا إلا ما كان عليه الأسلاف، فلا جرم أخرجوه هذا المخرج من أجل ذلك، وليس له ضابط يضبطه، وإنما الجامع لشتات معانيه هو ما ذكرناه من إخراج الكلام على خلاف مقتضى الحال، فلا بد من مراعاة ما ذكرناه وإن اختلفت صوره.
(تنبيه)
اعلم أن في الاستعارة ما يكون معدودا في التهكم، وحاصل الاستعارة التهكية، أن تستعمل الألفاظ الدالة على المدح في نقائضها من الذم والإهانة تهكما بالمخاطب، وإنزالا لقدره، وحطا منه وهذا كقوله تعالى: (إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ) مكان نقيضهما من السفيه الغوي.
(أَلا بُعْداً لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ(95)
فقوله: (كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ(95)
استطراد بعد ذكره مدين، لأنه عارض عند ذكره حال مدين، وما كان منهم من التكذيب للرسل، ثم قال [[1] ]: (وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ) فإن كانت الضمائر راجعة إلى مدين، فهو من باب الاستطراد كما ذكرناه، وإن كانت الضمائر، راجعة إلى ثمود فهو خروج، لأن حقيقة المطاردة خارجة عنه.
(فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ(112)
(فصل في الإلهاب والتهييج)