ودعاهم من الوجود إلى العدم، والعلم بالجذبة وهي قوله تعالى: {ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ} [الفجر: 28] ولما دعا النبي صلى الله عليه وسلم بالجذبة إلى علم الأزلي الأبدي، قال: قد علمت ما كان وسيكون؛ وذلك لأنه صار عالماً بعلم الله لا بعلم نفسه وهو قوله تعالى: {وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ} [النساء: 113] وإنما علمه ذلك العلم حين قال له: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ} [محمد: 19] أي: فاعلم بعلم الله الذي دعيت بالجذبة إليه لا إله في الوجود إلا الله، فإن العلم الإلهي محيط بالوجود كله كما قال: {قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً} [الطلاق: 12] فأنت بعلمه محيط بالوجود كله، فتعلم حقيقة أن ليس في الوجود إله غير الله.
ثم قال تعالى: {وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [يونس: 25] فلمَّا جعل الله دعوة الخلق من العلم إلى العمل، ومن الوجود إلى العدم، والعلم عامة جعل الهداية بالمشيئة إلى الأزل، والعلم وهو الصراط المستقيم خاصة يعني: هو يهديهم بالجذبة الكاملة إلى علم القديم بمشيئة الأزلية خاصة، وهذا مقام السير في الله بالله.
{لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} [يونس: 26] أي: للذين عاملوا الله على مشاهدة، فإن الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه {الْحُسْنَى} وهي شواهد الحق والنظر إليه وزيادة {وَزِيَادَةٌ} هي ما زاد على النظر بالوصول إلى العلم الأزلي مجذوباً من أنانيته إلى هويته وإفناء الناسوتية في اللاهوتية، {وَلاَ يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ} [يونس: 26] لا يصيبهم غبار الحجاب.