هذه خلاصة العقيدة كلها، مما تضمنته السورة، يكلف الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يعلنهما للناس، ويوجه إليه الخطاب بها كأنما على مشهد منهم. وهم هم المقصودون بها. إنما هو أسلوب من التوجيه الموحي المؤثر على النفوس، ويقف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بها في وجه القوة والكثرة؛ ووجه الرواسب الجاهلية، ووجه التاريخ الموغل بالمشركين في الشرك .. يعلنها في قوة وفي صراحة وهو في عدد قليل من المؤمنين في مكة، والقوة الظاهرة كلها للمشركين ..
ولكنها الدعوة وتكاليفها، والحق وما ينبغي له من قوة ومن يقين.
ومن ثم يكون الإعلان الأخير للناس:
{قل: يا أيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم، فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه، ومن ضل فإنما يضل عليها، وما أنا عليكم بوكيل} ..
فهو الإعلان الأخير، والكلمة الفاصلة، والمفاصلة الكاملة، ولكل أن يختار لنفسه. فهذا هو الحق قد جاءهم من ربهم.
{فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه، ومن ضل فإنما يضل عليها} ..
وليس الرسول موكلاً بالناس يسوقهم إلى الهدى سوقاً، إنما هو مبلغ، وهم موكولون إلى إرادتهم وإلى اختيارهم وإلى تبعاتهم، وإلى قدر الله بهم في النهاية.
والختام خطاب إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - باتباع ما أمر به، والصبر على ما يلقاه حتى يحكم الله بما قدره وقضاه:
{واتبع ما يوحى إليك واصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين} ..
وهو الختام المناسب الذي يلتقي مع مطلع السورة، ويتناسق مع محتوياتها بجملتها على طريقة القرآن في التصوير والتنسيق. انتهى انتهى. {الظلال حـ 3 صـ 1824 - 1829}