لكنها أمرت ألا تؤدي شهادتها إلا عند من آمن بها وعند من استشهدها، ولا تكلم
إلا من جاورها وقدم الإيمان قبل نظره فيها، وتصديقها في تبليغها عن ربها قبل
تكليمة إياها لذلك وهو أعلم.
قال جلَّ قَولُهُ: (وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ)
وكذلك فلوا أنهم ساروا في الأرض، وتسمعوا للسائرين فيها، فيرون الديار
العافية والمساكن البالية آثارًا للقرون الخالية والأمم الماضية كيف أهلكوا
دونها، وأخرجوا عنها ولِمَ أهلكوا وأخرجوا عنها وإلى ما [آل] إليه أمرهم الآن حيث
هم لبغت إليهم أنفسهم، وأعلم بما آل إليه أمرهم، ولو وقفوا بالفهم السليم على
المعنى بقول الله جلَّ ثناؤه: (أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا... .)
لذلك - وهو أعلم - أعقب ما تقدم قوله جل قوله: (فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ ...(102) .
يا محمد لهؤلاء (فَانْتَظِرُوا) أن ينزل بكم مثلما نزل بهم (إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ) كل مثلين، فإن
هذا واحد منهما يحل به ما حلَّ بصاحبه، ويجوز عليه ما جاز عليه من حيث تماثلا أو تقاربا أو تباعدا.
(ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ(103)
أي: إذا حل بهم ما ينتظرونه (نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا) هذا هو وعد الله
الحق للذين آمنوا مع رسلهم، إنما يستحق الصالح بعد ذهاب الرسول أن يناله
في بعض المواطن ما نال الطالح من أجل كونه مع أهل الفسق ومقامه في محلتهم،
وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"لا يورد ممرض على مصح".
وقال:"فِرَّ مِنَ الْمَجْذُومِ فِرَارَكَ مِنَ الْأَسَدِ".
وقال الله - جلَّ جلالُه -: (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً) .
كما قال في الذين هم مع رسوله: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ) .
قال - صلى الله عليه وسلم -:"يردون موردًا واحدًا ويصدرون مصادر شتى"وفي أقوال: