قالُوا أَجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا أي لتردنا وتثنينا عَمَّا وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أي عن الدين الذي كانوا عليه وَتَكُونَ لَكُمَا أي لك يا موسى ولهارون الْكِبْرِياءُ أي العظمة والرئاسة والملك فِي الْأَرْضِ أرض مصر، وهكذا دأب المفسدين في كل عصر يتهمون المصلحين بنياتهم، وأنهم لا يريدون وجه الله في دعواتهم الإصلاحية، وما أقبحها من حجة وأظهر بطلانها، لأن الدعاة إلى الله يدعون الناس إلى الطريق الأصعب، ويتحملون من أجل ذلك كل قاس من الأمر، ولو كانوا يريدون الدنيا لحصلوا عليها عن طريق الممالئة والمداهنة والسكوت وخدمة الطواغيت وَما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ أي بمصدقين، هذا هو القرار النهائي أعلنوه بعد أن ذكروا حيثيات الرفض وأسبابه في زعمهم وتصورهم، وليدلل فرعون على سلامة موقفه الظالم بالبهرجة على الناس، بمعارضة ما جاء به موسى، أمر بدعوة السحرة ليبرهن أن ما جاء به موسى سحر فانعكس عليه النظام
وَقالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ أي فائق في علم السحر
فَلَمَّا جاءَ السَّحَرَةُ قالَ لَهُمْ مُوسى بعد ما قالوا: إما أن تلقي وإما أن نكون نحن الملقين أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ أراد موسى أن تكون البداءة منهم ليري الناس ما صنعوا، ثم يأتي بالحق بعده فيدفع باطلهم
فَلَمَّا أَلْقَوْا أي حبالهم وعصيهم قالَ مُوسى ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ أي الذي جئتم به السحر، فكلمة السحر بدل من اسم الموصول (ما) وهو مبتدأ، وخبره إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ أي سيمحقه إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ هذه سنة من سنن الله أن المفسد لا يقبل عمله الإصلاح، ومن ثم فإن علينا أن لا ننسب المفسد إلى الإصلاح، ولا نغتر بأعماله، وكل داع إلى شيء يخالف شرع الله فهو مفسد، وكل من يحارب الدعوة إلى الله وأهلها فهو مفسد، فلا نغتر بعمل من أعماله، لأن سنة الله أن لا يصلح عمل المفسدين،