وقد يقول أحد السطحيين: وهل هناك سكن في غير الأرض؟
ونقول: لنا أن نلحظ أن الحق سبحانه لم يحدد لهم في أية بقعة من الأرض يسكنون ، فكأن الحق سبحانه قد بيَّن ما أصدره من حكم عليهم بالتقطيع في الأرض أمماً ؛ فهو سبحانه القائل:
{وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأرض أُمَماً} [الأعراف: 168] .
وإذا كنا نراهم في أيامنا هذه وقد صار لهم وطن ، فاعلم أن الحق سبحانه هو القائل:
{وَقَضَيْنَآ إلى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الكتاب لَتُفْسِدُنَّ فِي الأرض مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كَبِيراً} [الإسراء: 4] .
وقد قال في آخر سورة الإسراء:
{وَقُلْنَا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسكنوا الأرض فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ الآخرة جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفاً} [الإسراء: 104] .
والمجيء بهم لفيفاً إنما يعني أن يجمعهم في وطن قومي لتأتي لهم الضربة القاصمة التي ذكرها الحق سبحانه في قوله:
{فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ الآخرة لِيَسُوءُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ المسجد كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيراً} [الإسراء: 7] .
لأننا لن نستطيع أن نحاربهم في كل بلد من البلاد التي قطَّعهم الله فيها ، لكنهم حين يجتمعون في مكان واحد ، إنما يسهل أن ينزل عليهم قضاء الله .
وحين ننظر إلى رحلتهم نجد أن"يثرب"كانت المكان الذي اتسع لهم بعد اضطهادات المجتمعات التي دخلوا إليها ، وحين اجتمعوا في يثرب صار لهم الجاه ؛ لأنهم أهل علم ، وأهل اقتصاد ، وأهل حرب .
وهم قد اجتمعوا في المدينة ؛ لأن المخلصين من أهل الكتاب أخبروهم أن هذه المدينة هي المهجر لنبي ورسول يأتي من العرب في آخر الزمان ؛ فمكثوا فيها انتظاراً له ، وكانوا يقولون لكفار قريش:"لقد أظل زمان يأتي فيه نبي نتبعه ، ونقتلكم فيه قَتل عاد وإرم".