وكان من المفروض أن يؤمنوا برسالته صلى الله عليه وسلم ، لكنه إن أطل رسول الله صلى الله عليه وسلم بنور رسالته حتى أنكروه خوفاً على سلطتهم الزمنية .
وهو ما تقول عنه الآية الكريمة التي نحن بصدد خواطرنا عنها:
{فَمَا اختلفوا حتى جَآءَهُمُ العلم} [يونس: 93] .
أي: أن علمهم بمجيء الرسول صلى الله عليه وسلم هو مصدر اختلافهم ، فمنهم من سمعوا إشارات عنه صلى الله عليه وسلم وعرفوا علاماته صلى الله عليه وسلم ؛ فآمنوا به ، ومنهم من لم يؤمن به .
وهم لم يختلفوا من قبل وكانوا متفقين ، وتوعَّدوا المشركين من قريش . وما إن أهلَّ الرسول صلى الله عليه وسلم به"الأوس"و"الخزرج"أنه رسول من الله تعالى قد ظهر بمكة ، فقالت الأوس والخزرج: إنه النبي الذي توعَّدتنا به يهود ، فهيا بنا لنذهب ونسبقهم إليه قبل أن يسبقونا ، فيقتلونا به .
فكأن اليهود هم الذين تسببوا في هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ؛ لأن الأوس والخزرج سبقوهم إليه ؛ وهذا لنعلم كيف ينصر الله تعالى دينه بأعدائه .
ولذلك نجد أنهم في اختلافهم"يأتي عبد الله بن سلام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن اليهود قوم بُهْتٌ ، وإذا أنا آمنت بك يا رسول الله سيقولون فيَّ ما يسيء إليَّ ؛ لذلك فقبل أن أعلن إسلامي اسألهم عنِّي ."
وكان ابن سلام في ذلك يسلك سلوكاً يتناسب مع كونه يهودياً ، ولما اجتمع معشر اليهود ، سألهم النبي صلى الله عليه وسلم وقال: ما تقولون في ابن سلام؟
قالوا: حَبْرُنا وشيخنا وهو الورع فينا ، وبعد أن أثنوا عليه ثناء عظيماً ، قال ابن سلام: يا رسول الله أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله .
وهنا بدأ اليهود يكيلون له السِّباب ، فقال ابن سلام: ألم أقُلْ لك يا رسول الله إنهم قوم بُهْت""
إذن: فمعنى قوله سبحانه:
{فَمَا اختلفوا حتى جَآءَهُمُ العلم} [يونس: 93] .