وقد كان الفراعنة طُغاة جبابرة فكانوا يعتبرون أنفسهم آلهة للقبط وكانوا قد وضعوا شرائع لا تخلو عن جور ، وكانوا يستعبدون الغرباء ، وقد استعبدوا بني إسرائيل وأذلوهم قروناً فإذا سألوا حقهم استأصلوهم ومثلوا بهم وقتلوهم ، كما حكى الله عنهم {إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعاً يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين} [القصص: 4] ، وكان القبط يعتقدون أوهاماً ضالة وخرافات ، فلذلك قال الله تعالى: {وكانوا قوماً مجرمين} ، أي فلا يستغرب استكبارهم عن الحق والرّشاد ، ألا ترى إلى قولهم في موسى وهارون {إنّ هذان لَساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى} [طه: 63] فأغراهم الغرور على أن سموا ضلالهم وخورهم طريقة مثلى.
وعبر بـ {قوماً مجرمين} دون كانوا مجرمين للوجه الذي تقدم في سورة البقرة وفي مواضع من هذه السورة.
{فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ}
أي لما رأوا المعجزات التي هي حق ثابت وليست بتخيلات وتمويهات ، وعلموا أن موسى صادق فيما ادّعاه ، تدرجوا من مجرّد الإباء المنبعث عن الاستكبار إلى البهتان المنبعث عن الشعور بالمغلوبية.
والحقُّ: يطلق اسماً على ما قابل الباطل وهو العدل الصالح ، ويطلق وصفاً على الثابت الذي لا ريبة فيه ، كما يقال: أنت الصديق الحق.
ويُلازم الإفراد لأنه مصدر وصف به.