فهو - إذن - مأمون على أن يكون إماماً للناس لأنه قدوة ، أي أنه يشترك مع الناس في أنه بشر ، ولكنه جاء بخصال الخير الكاملة فصار أسوة للناس ، حتى لا يقول أحد: إنه فعل الخير لأنه ملك ، وله طبيعة غير طبيعة البشر ، لا . . إنه واحد من البشر ، قال فيه الحق سبحانه: {إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً ...} [البقرة: 124]
أي: أسوة وقدوة ، والأسوة والقدوة يشترط فيها أن تكون من الجنس نفسه فلا تكون من جنس مختلف ، فلا يجعل الله للبشر أسوة من الملائكة ؛ حتى لا يقول أحد: وهل أنا أستطيع أن أعمل مثل عمله؟ ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى في عرض هذه القضية: {وَمَا مَنَعَ الناس أَن يؤمنوا إِذْ جَآءَهُمُ الهدى إِلاَّ أَن قالوا أَبَعَثَ الله بَشَراً رَّسُولاً} [الإسراء: 94]
فحين تعجَّب بعض الناس من أن ربنا قد بعث من البشر رسولاً أنزل الحق هذا القول وأضاف سبحانه: {قُل لَوْ كَانَ فِي الأرض ملائكة يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السمآء مَلَكاً رَّسُولاً} [الإسراء: 95]
فما دُمتم أنتم بشر فلا بد أن يرسل لكم رسولاً منكم لتحقق الأسوة ، لهذا يقول الحق سبحانه:
{وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ} [الأنعام: 9]
ولنَر كيف أتم سيدنا إبراهيم عليه السلام بعض التكاليف بعشق ، فلننظر إلى قول الحق سبحانه: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ القواعد مِنَ البيت ...} [البقرة: 127]