الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ: فَإِنْ قِيلَ: وكَيْفَ جَعَلَ بَعْضَ الْأَزْمِنَةِ أَعْظَمَ حُرْمَةً مِنْ بَعْضٍ ؟ قُلْنَا: عَنْهُ جَوَابَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْبَارِيَ تَعَالَى يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ ، وَيَحْكُمُ مَا يُرِيدُ ، لَيْسَ عَلَيْهِ حَجْرٌ ، وَلَا لِعَمَلِهِ عِلَّةٌ ؛ بَلْ كُلُّ ذَلِكَ بِحِكْمَةٍ ، وَقَدْ يَظْهَرُ لِلْخَلْقِ وَجْهُ الْحِكْمَةِ فِيهِ ، وَقَدْ يَخْفَى.
الثَّانِي: أَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ النَّفْسَ مَجْبُولَةٌ عَلَى اقْتِضَاءِ الشَّهَوَاتِ ، فَلَمَّا وَجَبَتْ عَلَيْهِ تَكَالِيفُ الْمُحَرَّمَاتِ جَعَلَ بَعْضَهَا أَغْلَظَ مِنْ بَعْضٍ ، لِيُعْتَادَ بِكَفِّهَا عَنْ الْأَخَفِّ ، الْكَفُّ عَنْ الْأَغْلَظِ ، وَيَجْعَلُ بَعْضَ الْأَزْمِنَةِ وَالْأَمْكِنَةِ أَعْظَمَ حُرْمَةً مِنْ بَعْضٍ ؛ لِيُعْتَادَ فِي الْخَفِيفِ الِامْتِثَالُ ، فَيَسْهُلَ عَلَيْهِ فِي الْغَلِيظِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي أَوَّلِ هَذِهِ الْأَشْهُرِ [الْحُرُمِ] ؛ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَوَّلُهَا الْمُحَرَّمُ وَآخِرُهَا ذُو الْحِجَّةِ ، لِأَنَّهُ عَلَى تَقْرِيرِ شُهُورِ الْعَامِ ، الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ.
الثَّانِي: أَنَّ أَوَّلَهَا رَجَبٌ ، وَآخِرُهَا الْمُحَرَّمُ مَعْدُودَةً مِنْ عَامَيْنِ ؛ لِأَنَّ رَجَبًا لَهُ فَضْلُ الْإِفْرَادِ.
الثَّالِثُ: أَنَّ أَوَّلَهَا ذُو الْقَعْدَةِ ؛ لِأَنَّ فِيهِ التَّوَالِيَ دُونَ التَّقْطِيعِ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ ؛ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي تَعْدَادِهَا: {ثَلَاثٌ مُتَوَالِيَاتٌ: ذُو الْقَعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمُ ؛ وَرَجَبُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ} .
وَهَذَا نَصٌّ صَرِيحٌ مِنْ رِوَايَةِ الصَّحِيحِ.