أخرج البخاري عن زيد بن وهب، قال: مررت بالربذة - موضع بين مكة والمدينة - فإذا بأبي ذر، فقلت: ما أنزلك هذا المنزل؟ قال: كنت في الشام فاختلفت أنا ومعاوية في هذه الآية {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ} فقال معاوية: نزلت في أهل الكتاب، فقلت: نزلت فينا وفيهم، فكان بيني وبينه في ذلك كلام، فكتب إلى عثمان يشكوني، فكتب إليَّ عثمان أن أقدم المدينة، فقدمتها، فكثر عليَّ الناس، حتى كأنهم لم يروني قبل ذلك، فذكرت ذلك لعثمان، فقال: إن شئت تنحيت، فكنت قريبًا، فذاك الذي أنزلني هذا المنزل، ولو أُمر عليَّ عبد حبشي .. لسمعت وأطعت.
وإنما قال: {وَلَا يُنْفِقُونَهَا} ولم يقل: ينفقونهما؛ لأنه أعاد الضمير إلى المال المكنوز، وهي أعيان الذهب والفضة، [وقيل] أعاد الضمير إلى الفضة؛ لأنه أغلب أموال الناس.
واختلف أهل العلم في المال الذي أديت زكاته، هل يسمى كنزًا أم لا؟ فقال قوم: هو كنز، وقال آخرون: ليس بكنز، ومن القائلين بالقول الأول أبو ذرٍّ، وقيده بما فضل عن الحاجة، ومن القائلين بالقول الثاني: عمر بن الخطاب وابن عمر وابن عباس وجابر وأبو هريرة وعمر بن عبد العزيز وغيرهم، وهو الحق لما تقدم من الأدلة المصرحة بأن ما أديت زكاته فليس بكنز.
وقوله: {فَبَشِّرْهُمْ} ؛ أي: فأخبرهم يا محمد {بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} ؛ أي: مؤلم، جملة تهكمية خبر عن الموصول، وقيل: إن البشارة هي الخبر الذي يتغير له لون البشرة، لتأثيره في القلب، سواء كان من الفرح أو من الغم.