34 -ولما فرغ سبحانه وتعالى من ذكر حال أتباع الأحبار والرهبان، المتخذين لهم أربابًا .. ذكر هنا حال المتبوعين فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} بما جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم - {إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ} ؛ أي: علماء اليهود {وَالرُّهْبَانِ} ؛ أي: علماء النصارى {لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ} ؛ أي: ليأخذون الأموال من سفلتهم {بِالْبَاطِلِ} ؛ أي: بالوجوه الباطلة، كالرشوة في تخفيف الأحكام والمسامحة في الشرائع وغير ذلك، وعبر عن أخذ الأموال بالباطل بالأكل؛ لأن المقصود الأعظم من جمع الأموال الأكل، فمسمى الشيء باسم ما هو أعظم مقاصده، وأثبت هذا الأكل للكثير منهم؛ لأنَّ فيهم من لم يتلبس بذلك، بل بقي على ما يوجبه دينه من غير تحريف ولا تبديل، ولا ميل إلى حطام الدنيا، ولقد اقتدى بهؤلاء الأحبار والرهبان كثير من الذين يدعون العلم في الإسلام، ممن لا يأتي عليه الحصر في كل زمان، فإنا لله وإنا إليه راجعون، {وَيَصُدُّونَ} الناس؛ أي: يمنعون الناس {عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} ؛ أي: عن الدخول في دين الله الذي هو دين الإسلام في زمان محمد - صلى الله عليه وسلم - ، لئلا يفوتهم ما يأخذونه من سفلتهم، أو يمنعونهم في كل زمان عما كان حقًّا في شريعتهم قبل نسخها، بسبب أكلهم أموال الناس بالباطل.
والمعنى: إن كثيرًا من الأحبار والرهبان أشربت قلوبهم حب المال والجاه، فمن أجل حب المال أكلوا أموال الناس بالباطل، ومن أجل حب الجاه .. صدوا عن سبيل الله، فإنهم لو أقروا بصدق محمد - صلى الله عليه وسلم - ، وصحة دينه .. لزمهم أن يتابعوه فيبطل حكمهم، وتزول حرمتهم، ومن ثم كانوا يبالغون في المنع من متابعته، وصد الناس عنه.
وأكل الأموال بالباطل: أخذها بغير حق شرعي، ويقع ذلك على صور مختلفة منها:
1 -أخذها رشوة لأجل الحكم، أو المساعدة على إبطال حق أو إحقاق باطل، ويقوم به صاحب السلطة الدينية أو المدنية، رسمية كانت، أو غير رسمية.
2 -أخذها بالربا، وهو فاش عند اليهود وأحبارهم، يفتونهم بأكل الربا من غير الإسرائيليين، ويأكلونه معهم، مستحلين له بنص توارتهم المحرفة بدلًا من نهيهم عنه.