ولذلك يأتي قوله تعالى في ذات الآية أنهم {وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله والذين يَكْنِزُونَ الذهب والفضة وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ الله فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} . هم إذن أكلوا أموال الناس بالباطل ، مصداقاً لقول الحق سبحانه {لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الناس بالباطل} ومعنى ذلك أنَّ هناك أكْلاً من أموال الناس بالحق في عمليات تبادل المنافع ، فالتاجر يأخذ مالك ليعطيك بضاعة ؛ ويذهب التاجر ليشتري بها بضاعة وهكذا ، وقانون الاحتياط هنا في أن يكون هناك رهبان وأحبار محافظون على تعاليم الدين ، ولا يأكلون أموال الناس بالباطل ، وهذا ظاهر في قول الحق سبحانه وتعالى: {إِنَّ كَثِيراً مِّنَ الأحبار والرهبان لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الناس بالباطل} ولم يقل جل جلاله: كل الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ، بل قال {إِنَّ كَثِيراً مِّنَ الأحبار والرهبان} ؛ لأنه قد يوجد عدد محدود من الأحبار والرهبان ملتزمون ، والله لا يظلم أحداً ؛ لذلك جاء بالاحتمال . فلو أن الله سبحانه وتعالى عمَّم ووُجد منهم من هو ملتزم بالدين . فمعنى ذلك أن يكون القرآن الكريم لم يُغطِّ كل الاحتمالات ، ومعاذ الله أن يكون الأمر كذلك ؛ لأن الحق سبحانه وتعالى في قرآنه يصون الاحتمالات كلها .
إذن: فاستيلاء بعض من هؤلاء الأحبار والرهبان على أموال الناس لا يكون بالحق ، لأي لا يحصلون فقط على ما يكفيهم ، بل بالباطل أي بأكثر مما يحتاجون . وهم يأخذون المال ليصدوا به عن سبيل الله ، وهم في سبيل الحصول على الأموال الدنيوية ؛ يُغيِّرون منهج الله بما يتفق مع شهوتهم للمال ، وما يحقق لهم كثرة الأموال التي يحصلون عليها ، ولهذا تأتي العقوبة في ذات الآية فيقول المولى سبحانه وتعالى: