وقيل: كان النبي صلى الله عليه وسلم قد شرط لمن كان له بلاءٌ أن يُنَفِّله ، ولذلك فعل الشبانُ ما فعلوا من القتل والأسر فسألوه عليه الصلاة والسلام ما شرطه لهم فقال الشيوخُ: المغنمُ قليلٌ والناسُ كثيرٌ وإن تُعطِ هؤلاءِ ما شرطتَ لهم حرمتَ أصحابَك فنزلت. والأولُ هو الظاهُر لما أن السؤالَ استعلامٌ لحكم الأنفالِ بقضية كلمةِ (عن) لا استعطاءٌ لنفسها كما نطقَ به الوجهُ الأخير وادعاءُ زيادةٍ عن تعسف ظاهر ، والاستدلالُ عليه بقراءة ابن مسعودٍ ، وسعد بن أبي وقاص ، وعليِّ بنِ الحسين وزيدٍ ، ومحمد الباقر ، وجعفرِ الصادق ، وعكرمةَ ، وعطاءٍ ، يسألونك الأنفالَ ، غيرُ منتهضٍ فإن مبناها كما قالوا على الحذف والإيصالِ كما يعرب عنه الجوابُ بقوله عز وجل: {قُلِ الأنفال لِلَّهِ والرسول} أي حكمُها مختصٌّ به تعالى يقسمها الرسولُ عليه الصلاة والسلام كيفما أُمر به من غير أن يدخُل فيه رأيُ أحدٍ ولو كان السؤالُ استعطاءً لما كان هذا جواباً له فإن اختصاصَ حكمِ ما شُرط لهم من الأنفال بالله والرسول لا ينافي إعطاءَها إياهم بل يحقّقه لأنهم إنما يسألونها بموجب شرطِ الرسولِ عليه الصلاة والسلام الصادرِ عنه بإذن الله تعالى لا بحكم سبَق أيديَهم إليها ونحوِ ذلك مما يُخِلّ بالاختصاص المذكورِ ، وحملُ الجوابِ على معنى أن الأنفالَ بالمعنى المذكور مختصةٌ برسول الله صلى الله عليه وسلم لا حق فيها للمُنفَّل كائناً من كان مما لا سبيل إليه قطعاً ضرورةَ ثبوتِ الاستحقاقِ بالتنفيل ، وادعاءُ أن ثبوتَه بدليل متأخرٍ التزامٌ لتكرر النسخِ من غير علمٍ بالناسخ الأخير ، ولا مساغَ للمصير إلى ما ذهب إليه مجاهدٌ وعكرمةُ والسديّ من أن الأنفالَ كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصةً ليس لأحد فيها شيء ٌ بهذه الآية فنسخت بقوله تعالى: