قال القاضي أبو محمد: وأما الصفي فكان خالصاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقوله عز وجل: {فاتقوا الله} معناها في الكلام ، اجعل بينك وبين المحذور وقاية ، وقوله {وأصلحوا ذات بينكم} تصريح بأنه شجر بينهم اختلاف ومالت النفوس إلى التشاح ، و {ذات} في هذا الموضع يراد بها نفس الشيء وحقيقته ، والذي يفهم من {بينكم} هو معنى يعم جميع الوصل والالتحامات والمودات وذات ذلك هي المأمور بإصلاحها أي نفسه وعينه ، فحض الله عز وجل على إصلاح تلك الأجزاء فإذا صلحت تلك حصل إصلاح ما يعمها وهو البين الذي لهم ، وقد تستعمل لفظة الذات على أنها لزيمة ما تضاف إليه وإن لم تكن عينه ونفسه ، وذلك في قوله: {عليم بذات الصدور} [الأنفال: 43] و {ذات الشوكة} [الأنفال: 7] فإنها هاهنا مؤنثة قولهم: الذئب مغبوط بذي بطنه ، وقول أبي بكر الصديق رضي الله عنه إنما هو ذو بطن بنت خارجة ، ويحتمل ذات البين أن تكون هذه ، وقد تقال الذات أيضاً بمعنى آخر وإن كان يقرب من هذا ، وهو قولهم فعلت كذا ذات يوم ، ومنه قول الشاعر: [البسيط]
لا ينبح الكلب فيها غير واحدة... ذات العشاء ولا تسري أفاعيها
وذكر الطبري عن بعضهم أنه قال: {ذات بينكم} الحال التي لبينكم كما ذات العشاء الساعة التي فيها العشاء.
قال القاضي أبو محمد: ورجحه الطبري وهو قول بين الانتقاض ، وقال الزجاج البين ها هنا الوصل ، ومثله قوله عز وجل: {لقد تقطع بينكم} [الأنعام: 94] .