وَلِذَلِكَ كَانَ شُيُوخُنَا يَسْتَحِبُّونَ أَنْ يَنْظُرَ الْمَرْءُ فِي الْأَبْيَاتِ الْحِكَمِيَّةِ الَّتِي جَمَعَتْ هَذِهِ الْأَوْصَافَ الْعِلْمِيَّةَ: كَيْفَ يُزْهَى مَنْ رَجِيعُهُ أَبَدَ الدَّهْرِ ضَجِيعُهُ فَهُوَ مِنْهُ وَإِلَيْهِ وَأَخُوهُ وَرَضِيعُهُ وَهُوَ يَدْعُوهُ إلَى الْحَشِّ بِصُغْرٍ فَيُطِيعُهُ
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: أَيُّ الْعَمَلَيْنِ أَفْضَلُ: التَّفَكُّرُ أَمْ الصَّلَاةُ ؟: اخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ النَّاسُ ، فَصَغْوُ أَيْ مَيْلُ الصُّوفِيَّةِ إلَى أَنَّ الْفِكْرَةَ أَفْضَلُ ، فَإِنَّهَا تُثْمِرُ الْمَعْرِفَةَ ، وَهِيَ أَفْضَلُ الْمَقَامَاتِ الشَّرْعِيَّةِ.
وَصَغْوُ الْفُقَهَاءِ إلَى أَنَّ الصَّلَاةَ وَالذِّكْرَ أَفْضَلُ ؛ لِمَا رُوِيَ فِي ذَلِكَ مِنْ الْحَثِّ وَالدُّعَاءِ إلَيْهَا ، وَالتَّرْغِيبِ فِيهَا ، وَالْإِيعَازِ بِمَنَازِلِهَا وَثَوَابِهَا.
وَاَلَّذِي عِنْدِي فِيهِ أَنَّ النَّاسَ مُخْتَلِفُونَ فَمَنْ كَانَ شَدِيدَ الْفِكْرِ ، قَوِيَّ النَّظَرِ ، مُسْتَمِرَّ الْمِرَرِ ، قَادِرًا عَلَى الْأَدِلَّةِ ، مُتَبَحِّرًا فِي الْمَعَارِفِ ، فَالْفِكْرُ لَهُ أَفْضَلُ ، وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ فَالْأَعْمَالُ أَقْوَى لِنَفْسِهِ ، وَأَثْبَتُ لِعُودِهِ.