وَالْبِحَارُ أَعْظَمُ الْمَخْلُوقَاتِ عِبْرَةً ، وَأَدَلُّهَا عَلَى سَعَةِ الْقُدْرَةِ فِي سَعَتِهَا ، وَاخْتِلَافِ خَلْقِهَا ، وَتَسْيِيرِ الْفُلْكِ فِيهَا ، وَخُرُوجِ الرِّزْقِ مِنْهَا ، وَالِانْتِفَاعِ فِي الِانْتِقَالِ إلَى الْبِلَادِ الْبَعِيدَةِ بِالْأَثْقَالِ الْوَئِيدَةِ بِهَا.
وَالْهَوَاءُ فَإِنَّهُ خَلْقٌ مَحْسُوسٌ بِهِ قِوَامُ الرُّوحِ فِي الْآدَمِيِّ وَحَيَوَانِ الْبَرِّ ، كَمَا أَنَّ الْمَاءَ قِوَامٌ لِرُوحِ حَيَوَانِ الْبَحْرِ ، فَإِذَا فَارَقَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قِوَامَهُ هَلَكَ ، وَانْظُرْ إلَى رُكُودِهِ ثُمَّ اضْطِرَابِهِ ، وَهُوَ بِالرِّيحِ.
وَالْإِنْسَانُ أَقْرَبُهَا إلَيْهَا نَظَرًا ، وَأَكْثَرُهَا إنْ بَحَثَ عِبْرًا ، فَلْيَنْظُرْ إلَى نَفْسِهِ مِنْ حِينِ كَوْنِهَا مَاءً دَافِقًا إلَى كَوْنِهِ خَلْقًا سَوِيًّا ، يُعَانُ بِالْأَغْذِيَةِ ، وَيُرَبَّى بِالرِّفْقِ ، وَيُحْفَظُ بِاللَّبَنِ حَتَّى يَكْتَسِبَ الْقُوَى ، وَيَبْلُغَ الْأَشُدَّ ؛ فَإِذَا بِهِ قَدْ قَالَ أَنَا وَأَنَا ، وَنَسِيَ حِينَ أَتَى عَلَيْهِ حِينٌ مِنْ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا ، وَسَيَعُودُ مَقْبُورًا.
وَهَذَا زَمَانٌ وَسَطٌ بَيْنَهُمَا ، فَيَا وَيْحَه إنْ كَانَ مَحْسُورًا فَيَنْظُرُ حِينَئِذٍ أَنَّهُ عَبْدٌ مَرْبُوبٌ ، مُكَلَّفٌ مَخُوفٌ بِالْعَذَابِ إنْ قَصَّرَ ، مُرْجًى بِالثَّوَابِ إنْ ائْتَمَرَ ، فَيُقْبِلُ عَلَى عِبَادَةِ مَوْلَاهُ ، فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ لَا يَرَاهُ يَرَاهُ ، وَلَا يَخْشَى النَّاسَ فَاَللَّهُ أَحَقُّ أَنْ يَخْشَاهُ ، وَلَا يَتَكَبَّرُ عَلَى أَحَدٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ فَإِنَّهُ مُؤَلَّفٌ مِنْ أَقْذَارٍ ، مَشْحُونٌ مِنْ أَوْضَارٍ ، صَائِرٌ إلَى جَنَّةٍ إنْ أَطَاعَ ، أَوْ إلَى نَارٍ.