وَذَكَرَ الْغَزَالِيُّ فِي (بَيَانِ مَا يَدُلُّ مِنْ أَلْفَاظِ الْعُلُومِ) أَنَّ لَفْظَ الْفِقْهِ تَصَرَّفُوا فِيهِ بِالتَّخْصِيصِ لَا بِالنَّقْلِ وَالتَّحْوِيلِ ، إِذْ خَصَّصُوهُ بِمَعْرِفَةِ الْفُرُوعِ الْغَرِيبَةِ فِي الْفَتَاوَى وَالْوُقُوفِ عَلَى دَقَائِقِ عِلَلِهَا ... (قَالَ) ، وَلَقَدْ كَانَ اسْمُ الْفِقْهِ فِي الْعَصْرِ الْأَوَّلِ مُطْلَقًا عَلَى عِلْمِ طَرِيقِ الْآخِرَةِ ، وَمَعْرِفَةِ دَقَائِقِ آفَاتِ النُّفُوسِ ، وَمُفْسِدَاتِ الْأَعْمَالِ ، وَقُوَّةِ الْإِحَاطَةِ بِحَقَارَةِ الدُّنْيَا ، وَشِدَّةِ التَّطَلُّعِ إِلَى نَعِيمِ الْآخِرَةِ ، وَاسْتِيلَاءِ الْخَوْفِ عَلَى الْقَلْبِ ، وَيَدُلُّكَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ (9: 122) وَمَا يَحْصُلُ
بِهِ الْإِنْذَارُ وَالتَّخْوِيفُ هُوَ هَذَا الْفِقْهُ دُونَ تَفْرِيعَاتِ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَاللِّعَانِ وَالسَّلَمِ وَالْإِجَارَةِ ، فَذَلِكَ لَا يَحْصُلُ بِهِ إِنْذَارٌ وَلَا تَخْوِيفٌ ، بَلِ التَّجَرُّدُ لَهُ عَلَى الدَّوَامِ يُقَسِّي الْقَلْبَ وَيَنْزِعُ الْخَشْيَةَ مِنْهُ ، كَمَا نُشَاهِدُ الْآنَ مِنَ الْمُتَجَرِّدِينَ لَهُ . وَقَالَ تَعَالَى: لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَأَرَادَ بِهِ مَعَانِيَ الْإِيمَانِ دُونَ الْفَتْوَى اهـ . وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ تَفْسِيرُهُ بِمَعْرِفَةِ النَّفْسِ مَا لَهَا وَمَا عَلَيْهَا .