فَإِذَا تَأَمَّلْتَ مَعَ هَذِهِ الْأَقْوَالِ اسْتِعْمَالَ الْقُرْآنِ لِهَذَا الْحَرْفِ فِي النَّبَاتِ وَالْحَيَوَانِ وَالْإِنْسَانِ خَاصَّةً ، عَلِمْتَ أَنَّ الذَّرْءَ فِي أَصْلِ اللُّغَةِ بِمَعْنَى بَثِّ الْأَشْيَاءِ وَبَذْرِهَا وَتَفْرِيقِهَا وَتَكْثِيرِهَا ، وَأَنَّ إِسْنَادَهَا إِلَى اللهِ تَعَالَى بِمَعْنَى خَلْقِ ذَلِكَ أَيْ إِيجَادِهِ ، كَمَا أَنَّ أَصْلَ مَعْنَى الْخَلْقِ التَّقْدِيرُ ، وَيُسْنَدُ إِلَى اللهِ تَعَالَى بِمَعْنَى إِيجَادِ الْأَشْيَاءِ بِتَقْدِيرٍ وَنِظَامٍ لَا جِزَافًا ; وَلِهَذَا عُطِفَ الذَّرْءُ وَالْبَرْءُ عَلَى الْخَلْقِ فِي حَدِيثِ الدُّعَاءِ الْمُتَقَدِّمِ .
وَ"الْجِنُّ"الْأَحْيَاءُ الْعَاقِلَةُ الْمُكَلَّفَةُ الْخَفِيَّةُ غَيْرُ الْمُدْرِكَةِ بِحَوَاسِّ الْبَشَرِ ، وَلَعَلَّ تَقْدِيمَهُمْ هُنَا فِي الذِّكْرِ عَلَى الْإِنْسِ أَنَّهُمْ أَكْثَرُ أَهْلِ جَهَنَّمَ ; لِأَنَّهُمْ أَجْدَرُ وَأَعْرَقُ فِي الصِّفَاتِ الْآتِيَةِ الَّتِي هِيَ سَبَبُ اسْتِحْقَاقِهَا ، وَكَوْنُ خَلْقِ أَصْلِ نَوْعِهِمْ وَأَوَّلِهِ مِنْ
مَارِجٍ مِنْ نَارٍ ، لَا يَقْتَضِي عَدَمَ تَأَلُّمِهِمْ
مِنَ النَّارِ كَمَا قَدْ يُتَوَهَّمُ ، فَإِنَّ بَيْنَ حَقِيقَةِ نَوْعِ الْبَشَرِ وَحَقِيقَةِ الطِّينِ الَّذِي خُلِقَ أَبُوهُمْ مِنْهُ بَوْنًا عَظِيمًا يُقَاسُ عَلَيْهِ الْجِنُّ .